بعد سنوات طويلة من الجمر والانتظار، وفي لحظة غلب عليها مزيج من الدموع والزغاريد، استيقظ السوريون يوم الجمعة، الرابع والعشرين من نيسان، على نبأ طالما انتظره المكلومون في حي التضامن ومخيم اليرموك؛ فقد أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، سقوط "السفاح" أمجد يوسف في قبضة العدالة، بعد عملية أمنية وصفت بالمحكمة في ريف حماة، لتطوى بذلك صفحة من التواري والاختباء لواحد من أبرز الوجوه التي ارتبطت بفظائع النظام المخلوع.
لم يكن أمجد يوسف مجرد ضابط في المخابرات العسكرية، بل تحول منذ نيسان 2022 إلى رمز حي للوحشية، حين كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن ذلك المقطع المسرب الذي حبس أنفاس العالم؛ حيث ظهر فيه يوسف بدم بارد وهو يقتاد المدنيين معصوبي الأعين، يلقي بهم في حفرة أُعدت لتكون مقبرة جماعية، ثم يجهز عليهم بالرصاص ويحرق جثثهم تحت أكوام من الإطارات والبنزين. تلك المشاهد التي وثقت إعدام 41 مدنياً في شارع نسرين عام 2013، كانت هي الخيط الذي لم ينقطع، وظل يلاحق يوسف حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، ليتحول من "رائد" يهابه الجميع في مجمع كفر سوسة الأمني إلى طريد يتنقل في الخفاء بين ريف القرداحة وسهل الغاب، قبل أن تنهي قوى الأمن الداخلي رحلة هروبه في قرية نبع الطيب.
وفي مواجهة مباشرة هزت منصات التواصل الاجتماعي، ظهر وزير الداخلية السوري في مقطع مصور وهو يواجه يوسف بحقيقته المجرّدة، سائلاً إياه "أليس لديك قلب؟"، ليأتي رد المتهم الهزيل بأنه أب لطفلين، وهو رد استحضره السوريون بمرارة وهم يتذكرون الأطفال والنساء الذين لم تشفع لهم براءتهم أمام رصاصات بندقيته "إيه كيه 47". ولم تتوقف أصداء الاعتقال عند البيانات الرسمية، بل امتدت لتشعل احتفالات عفوية فوق "حفرة الموت" في حي التضامن، حيث تجمع الأهالي يرفعون الأعلام ويغنون للعدالة التي تأخرت لكنها لم تمت، بينما كانت السيدة سهام أبو صيام، والدة الضحية وسيم صيام، تعبر عن وجع آلاف الأمهات بقولها إن دم ابنها لم يذهب هدراً، وأن رؤية قاتله أمام القضاء هي "العدالة الإلهية" التي تحققت في ذات الشهر الذي وقعت فيه المجزرة قبل ثلاثة عشر عاماً.
هذا الاعتقال ليس إلا فاتحة لمسار قضائي أوسع، حيث أكد وزير العدل، مظهر الويس، أن الدولة السورية ماضية في منع الإفلات من العقاب، مشيراً إلى أن محكمة الجنايات في دمشق تستعد لبدء محاكمات علنية لرموز النظام المخلوع اعتباراً من الأسبوع المقبل ضمن ملفات العدالة الانتقالية. ومع سقوط أمجد يوسف، الذي اعترف سابقاً في تسريبات بأنه قتل "انتقاماً" أو "تطهيراً"، يجد السوريون اليوم أنفسهم أمام فرصة حقيقية لاستعادة كرامة الضحايا الذين لم يبقَ من بعضهم سوى عظام بشرية عُثر عليها في مواقع المجازر؛ فاليوم لا تصرخ الدماء في التضامن طلباً للثأر العشوائي، بل تهمس للذاكرة بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الميزان الذي اختل لسنوات طوال، بدأ أخيراً يعود إلى مكانه الصحيح.
