تشهد محافظة الحسكة السورية ومناطق شمال شرقي البلاد حراكاً متسارعاً وتطورات ميدانية وسياسية متشابكة، تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تعيشها المنطقة منذ اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وبينما بدأت ملامح العودة المؤسساتية تفرض نفسها على الواقع الخدمي والاقتصادي، لا يزال الملف الإنساني المتعلق بمصير المعتقلين يتصدر المشهد، حيث تتصاعد صرخات الأهالي في اليعربية أمام غموض يلف مصير أبنائهم الذين نُقلوا إلى العراق. ففي وقفة احتجاجية غلب عليها طابع القهر والحزن، رفعت أمهات وأطفال المعتقلين لافتات تؤكد أن أبناءهم "ليسوا مجرد أرقام"، مطالبين بالكشف عن مصير أكثر من 3500 معتقل سوري، نقلوا من سجون "قسد" إلى الأراضي العراقية بتهم يصفها ذووهم بأنها "كيدية". هذا التحرك الشعبي لم يقتصر على الحسكة، بل امتد ليصل إلى قلب العاصمة دمشق، حيث اعتصم الأهالي أمام مبنى وزارة الخارجية مطالبين بوضع حد لحالة الغموض، تزامناً مع أرقام رسمية عراقية تتحدث عن وجود آلاف المعتقلين من جنسيات مختلفة، يشكل السوريون الكتلة الأكبر بينهم.
وفي خضم هذه التعقيدات، يحاول الجانب الرسمي تبديد المخاوف وطرح رسائل طمأنة، حيث أكد المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق مع "قسد"، أحمد الهلالي، أن ملف الأسرى والمعتقلين في طريقه للحل القريب، موضحاً أن الحكومة تسلمت إدارة السجون وأن المرحلة القادمة ستشهد إطلاق سراح المنتسبين السابقين لـ "قسد". ومع ذلك، لا تبدو الطريق مفروشة بالورود، إذ أقر الهلالي بوجود "تصعيد غير مبرر" في القامشلي بعد رفض جهات مسيطرة تسليم القصر العدلي، مما تسبب في تعطيل مصالح المواطنين، مرجعاً هذه العقبات إلى جهات قد تتضرر مصالحها من استكمال تسليم المؤسسات القضائية، رغم تأكيده على التزام الطرفين بالاتفاق. وعلى صعيد آخر، تحاول محافظة الحسكة لملمة جراحها الإدارية، حيث نفت رسمياً شائعات إزالة العلم السوري عن مبناها، موضحة أن ما جرى كان أعمال صيانة مؤقتة لحجب رموز النظام السابق المحفورة في البناء وإزالتها نهائياً، مع التأكيد على رفع العلم السوري بشكل دائم فوق المؤسسات الرسمية.
وبعيداً عن التجاذبات السياسية، بدأت العجلة الاقتصادية والخدمية بالدوران مجدداً، معلنةً عن انفراجه في حركة التنقل والتبادل التجاري، حيث شهد معبر اليعربية-ربيعة الحدودي انطلاق حركة المسافرين والترانزيت بين سوريا والعراق. هذا الافتتاح الذي وُصف بالاستراتيجي، لا يقتصر أثره على تسهيل حركة المواطنين فحسب، بل يمتد ليشمل تنشيط الحركة التجارية ورفع حجم التبادل بنسبة 20%، بالإضافة إلى كونه ممراً حيوياً لنقل النفط العراقي باتجاه المتوسط. وبالتوازي مع هذا الانتعاش الاقتصادي، أعلنت مديرية التربية في الحسكة عن استكمال تحضيراتها للامتحانات الرسمية، مع التوجه لافتتاح مراكز امتحانية جديدة في مناطق كانت بعيدة عن الخدمة مثل الشدادي، لتخفيف أعباء التنقل عن الطلاب. كما تتابع المديرية ملف المعلمين المفصولين لاستعادة الكوادر التعليمية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي ودعم العملية التعليمية، لترسم هذه التطورات مجتمعة صورة لمحافظة تحاول النهوض من ركام الحرب، متمسكة بالأمل في حل الملفات الإنسانية العالقة وبسط سلطة القانون والمؤسسات.
