تحت وطأة تحولات كبرى أعادت رسم خارطة النفوذ في المشرق العربي، جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الثانية إلى العاصمة السورية دمشق، لتضع **أساساً متيناً** لعلاقة يحاول الطرفان تخليصها من تركة العقود الماضية و"وصاية" النظام السابق التي سقطت بنهاية عام 2024. هذه الزيارة التي غلب عليها الطابع التقني والمؤسساتي عبر وفد وزاري رفيع، لم تكن مجرد بروتوكول لتعزيز التبادل التجاري أو الربط الكهربائي، بل كانت في جوهرها محاولة لتمتين "الجبهة السياسية" أمام استحقاقات مصيرية، على رأسها المفاوضات الوشيكة مع إسرائيل برعاية أمريكية، وملفات الأمن الحدودي التي باتت تؤرق دمشق وبيروت على حد سواء.
في أروقة مطار دمشق الدولي، حمل كلام سلام رسائل حاسمة تعكس رغبة لبنان في استعادة سيادته مع الحفاظ على "أخوة متوازنة"؛ فالتأكيد على أن لبنان لن يكون "منصة للإساءة إلى سوريا" يقرأه المحللون كإشارة واضحة للداخل اللبناني، وتحديداً لحزب الله، بأن الدولة هي الناطق الرسمي والوحيد في رسم العلاقة مع الجار السوري. هذا الموقف يتلاقى مع هواجس دمشق التي أعلنت مؤخراً عن إحباط مخططات لـ "خلايا" مرتبطة بالحزب، مما يجعل من ملف أمن الحدود وضبط المعابر والملاحقة القانونية للمهربين أولوية قصوى تتجاوز المصالح الاقتصادية الضيقة لتصل إلى صلب استقرار الكيانين الجديدين بعد زلزال سقوط النظام السابق.
وعلى مائدة البحث مع الرئيس السوري أحمد الشرع، حضرت الملفات الإنسانية واللوجستية التي أُهملت لسنوات؛ من نقل السجناء المحكومين الذين يشكلون ثلث نزلاء السجون اللبنانية، إلى قضية المفقودين والمخفيين قسراً، ومن بينهم المصور سمير كساب. ويبدو أن الجانبين يدركان أن فك عقدة "اللاجئين السوريين" يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة، إذ يظل العبء الاقتصادي والاجتماعي في لبنان ضاغطاً، بينما تواجه دمشق تحديات هائلة في استيعاب العائدين وسط بنية تحتية متهالكة، مما يستدعي تنسيقاً يتجاوز الحدود الثنائية إلى أروقة المجتمع الدولي.
لكن الظل الأبرز الذي خيم على المباحثات هو موعد 14 مايو/أيار، حيث يستعد لبنان لدخول مفاوضات مباشرة مع تل أبيب. وهنا تبرز الحاجة الملحّة لتنسيق "المسار والمصير"، فدمشق التي ترى في فصل المسارات التفاوضية فخاً إسرائيلياً للاستفراد بكل جبهة، تسعى لتوحيد الرؤية مع بيروت. هذا التنسيق ليس ترفاً سياسياً، بل هو ورقة القوة الوحيدة التي يملكها الطرفان لمواجهة الأطماع التوسعية الإسرائيلية التي لم تتوقف عند قصف المواقع السورية بل امتدت لاحتلال مناطق جديدة في جبل الشيخ بعد انهيار اتفاقية فض الاشتباك القديمة.
بين الربط الكهربائي وتدفق الغاز الأردني من جهة، وترسيم الحدود البرية التي بقيت "إدارية" ومنقوصة منذ الانتداب الفرنسي من جهة أخرى، يحاول لبنان وسوريا صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد. إنها رحلة البحث عن السيادة المفقودة وسط حقل ألغام إقليمي، حيث تظل العبرة في قدرة اللجان المشتركة التي أُعلن عنها على تحويل الوعود بـ "النتائج القريبة" إلى واقع يلمسه المواطن في بيروت ودمشق، بعيداً عن صراعات المحاور التي دفعت الشعوب أثمانها لسنوات طويلة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام بيروت ودمشق في تحويل هذه التفاهمات من ورق إلى واقع ملموس، فبناء الثقة وتنسيق المواقف تجاه إسرائيل ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وجودية للطرفين في ظل الرمال الإقليمية المتحركة. إن نجاح هذه "اللجان المشتركة" في فكفكة العقد الأمنية والاقتصادية سيكون هو المقياس الفعلي لمدى قدرة البلدين على استعادة قرارهما المستقل بعيداً عن صراعات الماضي.
