شهدت مدينة الحسكة، يوم الخميس، تصعيداً ميدانياً مفاجئاً وتوتراً ساد محيط القصر العدلي، أعاد إلى الأذهان هشاشة التوافقات السياسية في مناطق شمال شرق سوريا، وذلك على خلفية احتجاجات تزعمها عناصر من "الشبيبة الثورية" التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وبدأت ملامح الأزمة تترسم حين تجمع العشرات أمام المبنى احتجاجاً على رفع لوحة تعريفية جديدة كتبت باللغتين العربية والإنجليزية فقط، مع استبعاد اللغة الكردية، وهو ما اعتبره المحتجون تراجعاً عن الاعتراف بحقوقهم الثقافية واللغوية التي نصت عليها الاتفاقات الموقعة مع الحكومة السورية في دمشق.
وتطورت الاحتجاجات بشكل متسارع من الهتافات إلى الصدام المباشر، حيث أفادت التقارير المحلية بأن عناصر "الشبيبة الثورية" حاصروا المبنى وهددوا الموظفين بالاعتقال قبل أن يعتدوا عليهم بالرشق بالحجارة. وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع قيام المحتجين بتمزيق اللوحة الجديدة وإزالة الشعار الوطني واسم "الجمهورية العربية السورية" والدوس عليهما، وسط حالة من الغضب والاستياء الشعبي من طريقة التعامل مع الرموز السيادية. والمفارقة التي سجلتها المصادر الميدانية تمثلت في وقوف عناصر "الأسايش" وقوات "هات" موقف المتفرج، دون تدخل حقيقي لمنع تخريب محتويات الواجهة أو حماية الموظفين من الاعتداء.
وفي قراءة لخلفيات هذا التوتر، يبرز التناقض في تنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الحكومة السورية وقيادة "قسد". فبينما يشير الاتفاق الموقع في مارس 2025 وما تبعه من تفاهمات في يناير 2026 إلى دمج المؤسسات والاعتراف باللغة الكردية كمكون أصيل، يبدو أن التطبيق على الأرض يواجه عوائق "سيادية" و"قومية" متصادمة. وبينما نقلت مصادر عن سكان محليين أن اللوحة السابقة كانت تشمل اللغة الكردية قبل استبدالها بالنسخة "الإنجليزية" المستفزة للمحتجين، اعتبر المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة الاتفاق، أحمد الهلالي، أن القصر العدلي يمثل رمزاً لسيادة الدولة التي لا تقبل النزاع، مشيراً إلى أن الفريق آثر الانسحاب من محيط المبنى منعاً للتصعيد، مع تلقي وعود بتسلم القصر رسمياً في اليوم التالي.
من جانبه، لم يمر الحادث مرور الكرام لدى السلطات المركزية، حيث أصدرت وزارة العدل السورية بياناً شديد اللهجة دانت فيه ما وصفته بـ"أعمال الشغب والتخريب"، مؤكدة أن الجهات المختصة ستلاحق المتورطين قانونياً. وشددت الوزارة على أن الحكومة تواصل جهودها لاستعادة دور مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون منذ "سقوط النظام المخلوع"، معتبرة أن المساس بهيبة المؤسسات القضائية هو انتهاك للنظام العام. هذا التصعيد يضع تفاهمات دمشق مع "قسد" أمام اختبار حقيقي، إذ يرى مراقبون أن "معركة اليافطات" في الحسكة ليست سوى قمة جبل الجليد في صراع الهوية والسيادة الذي لم يحسمه الرصاص ولا الاتفاقات الورقية حتى الآن.
