مع اقتراب موسم حصاد الذهب الأصفر، اتخذت الحكومة السورية خطوات متسارعة لترتيب أوراق ملف القمح الذي يشكل عماد الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي للبلاد. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قراراً حددت بموجبه سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، وهو قرار جاء بالتزامن مع إعلان المؤسسة السورية للحبوب عن إطلاق منصة رقمية ذكية تهدف إلى تنظيم وتسهيل عمليات حجز وتوريد المحصول إلكترونياً، في محاولة لتجنب مشاهد الازدحام الطويلة التي كانت تتكرر سنوياً أمام مراكز الاستلام.
وتسعى المنصة الجديدة إلى إحداث تحول رقمي في الآليات اللوجستية المتبعة، حيث تتيح للمزارعين إنشاء حسابات خاصة وإدخال بياناتهم الشخصية وتفاصيل شهادات المنشأ والمساحات المزروعة، ليتمكنوا من حجز أدوار مسبقة لتسليم أقماحهم بناءً على رسائل نصية تصلهُم بمواعيد محددة، فضلاً عن إمكانية الاستعلام عن الفواتير اللاحقة باستخدام الرقم الوطني ورقم كرت القبان. وتترافق هذه الخطوة التقنية مع استنفار لوجستي أعلنت عنه مؤسسة الحبوب، يشمل تجهيز 65 مركزاً للتسلم موزعة على مختلف المحافظات، وتزويدها بالكهرباء والكاميرات والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب مواصلة العمل على تأهيل وتحديث شبكة الصوامع والمستودعات، ومنها صوامع "الغزلانية" و"الكسوة" في ريف دمشق، بالإضافة إلى مواقع أخرى في الرقة والحسكة ودير الزور ودرعا وحلب لتكون جاهزة لاستيعاب كميات التخزين المطلوبة.
ورغم هذه التسهيلات اللوجستية والتقنية، إلا أن الإعلان عن التسعيرة الجديدة أثار موجة واسعة من التفاعل والجدل بين المزارعين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر الكثير من الفلاحين أن السعر المحدد لا يتماشى مع الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج الزراعي، والتي تشمل قفزات مستمرة في أسعار المحروقات، الأسمدة، البذار، أجور النقل، وعمليات الري، مما قد يضعف الجدوى الاقتصادية للمحصول. وتعالت الأصوات التي تطالب الجهات الحكومية بمنح مكافآت تشجيعية إضافية للفلاحين عند التسليم، لضمان تدفق المحصول إلى المستودعات الرسمية بدلاً من تسربه، وتحقيق الاكتفاء الذي يقلص فجوة الاستيراد المرهقة لميزانية الدولة.
وعلى جبهة الإنتاج، تبدو التوقعات الرسمية متفائلة هذا العام، مدفوعة بتحسن الظروف المناخية والهطولات المطرية الجيدة التي شملت معظم المحافظات، وهو ما يمثل انفراجة واضحة مقارنة بالموسم الماضي الذي عانى من الجفاف وانحباس الأمطار وتسبب في خسارة شبه كاملة للمساحات البعلية. وبحسب المؤشرات الحالية، بلغت المساحات المزروعة بالقمح نحو 1.2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86% من الخطة الزراعية، وسط تقديرات من وزارة الزراعة بأن يتجاوز إنتاج القمح 2.3 مليون طن في حال استمرار استقرار الطقس، وهو رقم يقترب كثيراً من حاجة البلاد السنوية البالغة نحو 2.5 مليون طن، ومتمماً للمخزون الحالي المتوفر والبالغ قرابة مليون طن، ما يجعل من هذا الموسم محطة مفصلية في تأمين رغيف الخبز حتى منتصف العام المقبل.
وبين الطموحات الرقمية التي تسعى لتنظيم التوريد، والتوقعات المناخية المبشرة بإنتاج وفير، يظل الفلاح هو الحلقة الأقوى والأكثر تأثراً في هذه المعادلة؛ إذ يتوقف نجاح هذا الموسم المحوري على مدى قدرة التسهيلات الحكومية والتسعيرة المعلنة على استيعاب مخاوف المزارعين وتغطية تكاليفهم المرتفعة، لتظل الأيام المقبلة مع بدء عمليات الحصاد الفعلي هي الحَكم في تحقيق تطلعات البلاد نحو تعزيز أمنها الغذائي، وتقليص الاعتماد على الاستيراد لتأمين رغيف الخبز.
