لم تعد المباحثات التي تجري في العاصمة السورية مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل باتت مؤشراً علنياً على إعادة رسم التوازنات في المنطقة بعد أكثر من عام على سقوط نظام الحكم السابق وتولي أحمد الشرع رئاسة البلاد. هذا المشهد تبلور بوضوح في دمشق عقب استقبال الرئيس السوري للمبعوث الأميركي الخاص، توم باراك، في قصر الشعب؛ وهو اللقاء الذي لم يقف عند حدود الملفات الاقتصادية المشتركة، بل امتد ليعكس رؤية واشنطن الجديدة التي ترى في سوريا اليوم حجر زاوية أو "مختبراً" لإنتاج تحالف إقليمي حديث يرتكز على الدبلوماسية والانفتاح. هذه الاستدارة الأميركية تجد جذورها في اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس دونالد ترامب بالشرع في السعودية قبل أكثر من عام، والذي أثمر حينها عن قرار جريء برفع العقوبات الاقتصادية بهدف منح البلاد فرصة حقيقية لاستعادة مكانتها الاقتصاديّة والسياسيّة.
وعلى طاولات القرار الداخلي، بدأت السلطات السورية الجديدة تترجم هذا الانفتاح الدولي عبر خطوات ميدانية واقتصادية متسارعة؛ إذ ركزت الحكومة برئاسة الشرع على إنعاش الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين الخدمات الأساسية. ولم تقتصر الجهود على الجانب التنموي، بل تعدته إلى ترتيب البيت الداخلي عبر توحيد الفصائل المسلحة تحت مظلة مؤسسات الدولة الشرعية، وبسط السيادة على الأراضي السورية، بالتوازي مع محاسبة وتوقيف المتورطين في انتهاكات بحق المدنيين خلال سنوات الحرب الـ 14 الماضية. وفي الوقت نفسه، وتحت قيادة وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، نشطت الدبلوماسية السورية للنأي بالبلاد عن الصراعات المحيطة، وهو ما تُرجم عملياً في صياغة تفاهمات أمنية جديدة مع إسرائيل لتجاوز التوترات الناجمة عن توغل قواتها في الجنوب وتخطيها لاتفاق فض الاشتباك.
هذه الديناميكية المحلية حظيت بأبعاد دولية وعسكرية أوسع؛ فمن جهة، نقل المبعوث الأميركي توم باراك أجواء لقاءات دمشق مباشرة إلى الرياض، حيث بحث مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مستجدات الأوضاع السورية وسبل تعزيز الاستقرار، مما يعكس الرغبة في إيجاد حاضنة عربية تدعم مرحلة التعافي. ومن جهة أخرى، جاءت تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، لتربط أمن الولايات المتحدة بشكل مباشر باستقرار سوريا. وأشار كوبر إلى أن سقوط نظام الأسد، إلى جانب التطورات المتسارعة في غزة ولبنان، أحدث غافلاً استراتيجياً جديداً، مؤكداً استمرار واشنطن في التنسيق مع الحكومة السورية لبناء قدرات أمنية متطورة بالتعاون مع الشركاء الإقليميين.
وفي سياق متصل، لم تبتعد المنظمة الدولية عن قنوات الاتصال المفتوحة مع دمشق؛ إذ التقى وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، بنائب المبعوث الأممي كلاوديو كوردوني. وتركزت المباحثات الدبلوماسية بين الطرفين على دعم ملفات التعافي المبكر وتنسيق الجهود المشتركة بما يضمن الاستقرار، مع التأكيد المتبادل على ضرورة احترام السيادة السورية الكاملة ووحدة أراضي البلاد، لتكتمل بذلك حلقة التنسيق التي تسعى إلى تثبيت ركائز المرحلة الانتقالية الجديدة.
وفي المحصلة، فإن المشهد السوري الحالي يتجاوز فكرة الترتيبات الداخلية المؤقتة، ليؤكد أن دمشق باتت نقطة الارتكاز في صياغة معادلة إقليمية مغايرة. فبين خطوات الانفتاح الاقتصادي ولملمة آثار الحرب في الداخل، وبين التنسيق عالي المستوى الذي يمتد من قصر الشعب إلى الرياض والعواصم الدولية، تبدو المؤشرات قوية على أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على تثبيت الاستقرار السوري فحسب، بل ستضع المنطقة بأسرها أمام واقع سياسي جديد تؤدي فيه الدبلوماسية والتكامل الدور الأبرز في تحديد ملامح المستقبل. وفي الختام، يظل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على أروقة القرار: هل ينجح "الشرع" في تحويل الانفتاح السياسي إلى نهضة اقتصادية؟
