شهدت العلاقات السورية الأوروبية تحولاً تاريخياً يعكس ملامح المرحلة الانتقالية في البلاد، حيث أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي تمديد العقوبات المفروضة على الشخصيات والكيانات المرتبطة بالنظام السوري المخلوع حتى حزيران من عام 2027، وفي المقابل، خطت بروكسل خطوة واسعة نحو دمشق بإزالة سبعة كيانات حكومية رئيسية من قائمتها السوداء، على رأسها وزارتا الدفاع والداخلية. هذا القرار جاء في إطار المراجعة السنوية لنظام العقوبات، ليرسم ملامح سياسة أوروبية جديدة تعتمد "الانفتاح الحذر"؛ فهي تسعى من جهة إلى دعم مؤسسات الدولة السورية والتعجيل في مرحلة التعافي، ومن جهة أخرى تتمسك بفرض القيود على شبكات النظام السابق التي ما زالت تعتبرها قادرة على التأثير في المشهد وهز الاستقرار السياسي والمصالحة الوطنية.
هذا الانفتاح الأوروبي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء مكملاً لخطوات بدأها التكتل عقب سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024 وتشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. وكان الاتحاد قد اتخذ قراراً جوهرياً في أيار من عام 2025 برفع كافة العقوبات الاقتصادية والقطاعية الصارمة عن سوريا، شملت قطاعات حيوية كالمصارف والطاقة والنقل، فضلاً عن شطب مؤسسات كبرى كالبنك المركزي السوري وشركات النفط والاتصالات، مستثنياً فقط الجوانب الأمنية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توج الاتحاد الأوروبي خطواته بإعادة تفعيل اتفاقية التعاون الكاملة مع سوريا، منهياً تعليقاً جزئياً دام منذ عام 2011 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك في مسعى واضح لتسهيل عملية التعافي الاجتماعي والاقتصادي السوري.
وقد سبقت هذا الإعلان ممهدات سياسية رفيعة المستوى، حيث كشفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن اتفاق وزراء الخارجية على رفع العقوبات عن وزيرَي الداخلية والدفاع السوريَّين بالتزامن مع انطلاق أعمال "منتدى تنسيق الشراكة الأوروبية مع سوريا" في العاصمة البلجيكية بروكسل. ويعد هذا المنتدى أرفع حوار سياسي بين الجانبين منذ عام ونصف، وشهد مشاركة مباشرة من وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ونظرائه الأوروبيين، مما يفتح قنوات تواصل رسمية ومباشرة كانت مقطوعة لسنوات طويلة.
في دمشق، حظيت القرارات الأوروبية بترحيب رسمي واسع، حيث أعربت وزارة الخارجية والمغتربين عن ترحيبها برفع العقوبات عن الكيانات الحكومية السبعة، واعتبرت أن هذه الخطوة ستساهم بشكل فعال في دعم جهود إعادة الإعمار، وتمكين المؤسسات الرسمية من أداء واجباتها في خدمة المواطنين وترسيخ الأمن. وشددت الوزارة على حرص "سوريا الجديدة" على بناء دولة القانون والمؤسسات، ومواصلة الانفتاح والتعاون البناء مع المجتمع الدولي على أساس الاحترام المتبادل وصون السيادة الوطنية.
وفي السياق ذاته، عبّر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، عبر منصة "إكس"، عن تقديره للخطوة الأوروبية التي شملت وزارتي الدفاع والداخلية، مثمناً في الوقت نفسه استمرار العقوبات ضد رموز النظام البائد والمتورطين في الجرائم ضد الشعب السوري. وأكد الشيباني تطلع بلاده إلى تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بما يخدم مصالح السوريين ويستند إلى المصالح المشتركة. وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه قوى دولية وإقليمية عدة إعادة تقييم علاقاتها مع دمشق، مع التركيز على ملفات حيوية مثل الاستقرار وعودة اللاجئين، مما يشير إلى أن سوريا تخطو بثبات نحو تفكيك عزلتها الدولية واستعادة مكانتها، رغم بقاء بعض القيود الغربية المشروطة بمدى التقدم في مسار العدالة وحقوق الإنسان.
وفي نهاية المطاف، يمثل هذا القرار الأوروبي نقطة تحول محورية تتجاوز مجرد تعديل القوائم والدبلوماسية؛ فهو اعتراف ضمني بالواقع السياسي الجديد في سوريا، ومحاولة جادة من بروكسل للموازنة بين محاسبة الماضي ودعم المستقبل. وبينما تظل العقوبات الموجهة ضد رموز النظام السابق قائمة كشاهد على سنوات الصراع، فإن فتح الأبواب أمام مؤسسات الدولة السورية يمنح دمشق فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس الاقتصادية والبدء في مسيرة البناء الشاقة. الأيام المقبلة ستكشف مدى قدرة هذا "الانفتاح المشروط" على تحويل الوعود الدولية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن السوري في معيشته وأمنه واستقرار بلاده.
