في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو ترتيبات ميدانية جديدة تعيد رسم خارطة النزوح والسياسة في شمالي وشرقي سوريا، تعيش المنطقة على وقع مفارقات حادة تجمع بين آمال الاستقرار الإنساني، والاضطرابات المعيشية، فضلاً عن الكواليس السياسية المعقدة التي تلقي بظلالها على المشهد العام.
ففي مشهد يحمل طابعاً إنسانياً بارزاً، انطلقت صباح يوم الثلاثاء أولى قوافل عودة نازحي منطقة عفرين من مدينة عين العرب (كوباني) باتجاه قراهم وبلداتهم في ريف حلب الشمالي. وتأتي هذه الخطوة، التي ضمت نحو 450 عائلة، كجزء من مسار تدريجي بدأ منذ آذار الماضي لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني المبرم بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بإشراف فريق رئاسي مكلف بمتابعة هذا الملف. ورغم الحديث الرسمي عن وجود عقبات يتسبب بها من وصفوا بـ "مثيري الشغب"، إلا أن حركة قوافل العودة تسير بوتيرة متصاعدة؛ حيث سجلت الأسابيع الماضية عودة آلاف العائلات من الحسكة والقامشلي إلى مناطقهم الأصلية، بعد سنوات طويلة قضتها تلك العائلات في مخيمات ومناطق النزوح، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الأوسع التي أفضت إلى هذا الملف الإنساني.
وليس بعيداً عن هذا المشهد، تعيش البيئة المحلية الحاضنة لهذه التحولات غلياناً شعبياً واقتصادياً ينذر بتفاقم الأزمات، حيث تحولت المطالب المعيشية إلى احتجاجات مفتوحة على الأرض. وقام أهالي وقاطنو قريتي "أم مدفع" و"زين المبرج" في ريف الحسكة الجنوبي الغربي بقطع طريق "الأبيض" الحيوي، مانعين صهاريج النفط المتجهة نحو مصافي بانياس وعين العرب من المرور. هذا التصعيد الميداني جاء كصرصة احتجاجية ضد ما يصفه الفلاحون بمماطلة دائرة المحروقات "سادكوب" في توزيع مستحقاتهم من الوقود الزراعي، إذ لم يتم توزيع سوى مليوني لتر فقط من أصل 14 مليون لتر مخصصة لمئات الرخص الزراعية في المنطقة. وأمام هذا التوقف المفاجئ وتجاهل المطالب المستمر منذ شهرين، أصر المعتصمون على مواصلة الاحتجاج رغم محاولات قوى الأمن الداخلي لفتح الطريق، معتبرين أن غياب الدعم وتأخر مخصصات الحصادات والجرارات يهدد بانهيار الموسم الزراعي كاملاً ويزيد من الأعباء الاقتصادية الخانقة عليهم.
هذا الاحتقان الاقتصادي لم يكن معزولاً، بل تقاطع مع موجة احتجاجات واسعة اجتاحت محافظات الرقة ودير الزور ودرعا خلال الأيام القليلة الماضية، حيث عبّر المزارعون عن رفضهم القاطع لتسعيرة شراء محصول القمح التي أعلنتها وزارة الاقتصاد السورية، واصفين إياها بالمجحفة والتي لا تغطي التكاليف الباهظة للإنتاج من أسمدة ومحروقات. وفي الرقة على سبيل المثال، تُرجم هذا الاستياء بقطع دوار النعيم وسط المدينة، وسط مطالبات بضرورة إنصاف الفلاح السوري لضمان استمراره في أرضه، مما دفع السلطات للتحرك والاستماع لهذه المطالب محاولةً احتواء الموقف.
وعلى الضفة السياسية، تعيش المنطقة حالة من الغموض والترقب حول طبيعة التفاهمات الإقليمية ومستقبل الإدارة الحالية. وفي هذا السياق، سارعت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في "الإدارة الذاتية"، إلى نفي الأنباء التي تداولتها صحف تركية حول قيامها برفقة قائد "قسد" مظلوم عبدي بزيارة سرية إلى سجن إمرالي في تركيا للقاء زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان. ورغم تأكيد أحمد أن هذه الأنباء عارية تماماً عن الصحة ولا وجود لاحتمالية لقاء كهذا، إلا أن الأوساط السياسية لا تزال تنظر باهتمام إلى التصريحات الأخيرة لمظلوم عبدي، والتي كشف فيها عن تحضيرات جارية لزيارة مرتقبة له إلى تركيا قد تتضمن لقاءً مع أوجلان، مما يشير إلى أن المنطقة تقف فوق صفيح ساخن من التحولات السياسية والاقتصادية التي قد تعيد صياغة التحالفات والواقع الميداني في القريب العاجل.
