شهدت العاصمة السورية دمشق في الآونة الأخيرة حراكاً سياسياً واقتصادياً مكثفاً يعكس ملامح المرحلة الجديدة التي تقودها البلاد لإعادة تموضعها إقليمياً ودولياً، وتثبيت ركائز سيادتها الوطنية عبر حزمة من القرارات التشريعية واللقاءات الدبلوماسية الرفيعة. وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الدولة السورية إلى موازنة علاقاتها الخارجية بين الانفتاح على القوى الكبرى والدول الجوار، وبين الالتزام بالثوابت القومية والاقتصادية التي تشكل عماد أمنها القومي.
وفي خطوة تشريعية بارزة تهدف إلى تحصين الاقتصاد المحلي وضبط الحدود، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم (109) لعام 2026، والذي يتضمن قانوناً جديداً للجمارك يحل بدلاً من التشريعات السابقة الصادرة عام 2006 وتعديلاتها. وجاء القانون الجديد حازماً في تأكيد الموقف الرسمي السوري التاريخي تجاه قوانين مقاطعة إسرائيل الصادرة عن جامعة الدول العربية منذ خمسينيات القرن الماضي؛ حيث حظرت المادة 112 من المرسوم بشكل قاطع إدخال البضائع الإسرائيلية أو تلك التي منشؤها دول تقرر مقاطعتها اقتصادياً إلى المناطق الحرة. ولم يقتصر المرسوم على الحظر الفضفاض، بل منحت المادة 206 المحكمة الجمركية صلاحية الحكم بالنفاذ المعجل في القضايا المتعلقة بتهريب البضائع الإسرائيلية والمخدرات والأسلحة، مع فرض الغرامات القصوى في الظروف المشددة لحماية الأسواق والمستهلك المحلي، وهو ما يترجم رؤية الدولة في اعتبار التسريب التجاري لهذه المواد جريمة كبرى تمس الأمن القومي مباشرة.
بموازاة هذا الحزم الداخلي، تشهد العلاقات السورية الخارجية انفتاحاً لافتاً، بدا واضحاً في الرسائل الدبلوماسية المتبادلة مع واشنطن؛ إذ نشر الرئيس أحمد الشرع عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" صورة لهدية تلقاها من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تضمنت زجاجات عطر من العلامة التجارية "Trump Victory" مرفقة ببطاقة شخصية موقعة باسم ترمب تشير بوضوح إلى اسم الرئيس السوري. وحملت الرسالة المكتوبة باللغة الإنجليزية طابعاً ودياً يستذكر لقاءً سابقاً بين الرئيسين، معقباً عليها الشرع بالقول إن بعض اللقاءات تترك انطباعاً، أما لقاؤهما فقد ترك عطراً يفوح أثره، معرباً عن أمله في أن تسهم روح ذلك اللقاء في بناء علاقات أكثر متانة وقوة بين دمشق وواشنطن في المستقبل.
وعلى الصعيد الإقليمي، تسير قطار العلاقات السورية التركية نحو مزيد من التنسيق والتعاون المباشر؛ حيث استقبل الرئيس الشرع في قصر الشعب بدمشق رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالن، بحضور وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات العامة السورية حسين السلامة. وبحث اللقاء المستجدات الميدانية والسياسية في المنطقة وسبل تعزيز التنسيق المشترك، وهو لقاء يأتي امتداداً لسلسلة اجتماعات رفيعة المستوى ضمت مسؤولين من البلدين لترتيب الملفات الأمنية والسياسية العالقة. وفي سياق متصل، حثّ مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلدز، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، إسرائيل على الالتزام الكامل باتفاق فصل القوات لعام 1974 وإنهاء احتلالها للأراضي السورية، مشيداً بالتزام السلطات السورية بهذا الاتفاق ومؤكداً على أهمية استقرار سوريا ووحدتها الإقليمية لتلعب دور الجسر التجاري وممر الطاقة الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا عبر تركيا.
هذا التقارب الدبلوماسي انعكس سريعاً على أرض الواقع من خلال جولة تفقدية قام بها السفير التركي في دمشق برفقة وفد من غرفة صناعة دمشق لعدد من المصانع والمعامل في العاصمة. وأكد السفير التركي ليفنت يلماز أن تحسن العلاقات السياسية بين البلدين أزال العوائق السابقة التي كانت تمنع استيراد الآلات التركية بشكل مباشر، مشيراً إلى التواجد الواسع للمعدات والآلات التركية الحديثة في خطوط الإنتاج السورية، والانتشار الملحوظ للكوادر العمالية السورية التي تتقن اللغة التركية نتيجة نقل الخبرات التي اكتسبوها سابقاً. ورغم تحديات الطاقة والصعوبات الراهنة، يرى المراقبون أن عودة عجلة الإنتاج الصناعي، مدعومة بتسهيل الحركة التجارية وإزالة القيود السياسية، تمثل العمود الفقري لإنعاش الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، بما يخدم مرحلة إعادة الإعمار والانتقال السياسي الشامل والمستقر في البلاد.
