السويداء في مهب التجاذبات: من المطالب السياسية إلى حوادث الأمن العابرة


يجد المشهد السوري في محافظة السويداء نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية، تتجاذبها دعوات لإدارة محلية ذات خصوصية، في مقابل جهود حثيثة تسعى لاستعادة زخم الحوار الوطني وتثبيت دعائم الاستقرار عبر أطر سلمية. هذا المشهد المعقد لا يقتصر على المواقف السياسية المعلنة، بل يتأثر بتداخلات إقليمية وتحديات أمنية ومعيشية تفرض على جميع الأطراف مراجعة أدواتها بحثاً عن مخرج يحمي النسيج السوري ويضمن كرامة ومستقبل أهالي المحافظة ضمن رؤية وطنية شاملة.


يتصدر خطاب الزعيم الروحي لطائفة الدروز، حكمت الهجري، الواجهة السياسية بدعواته لتقرير المصير وتشكيل إدارة ذاتية لجبل بشان، في طروحات يراها أنصاره وسيلة لانتزاع الحقوق وتحقيق تطلعات أهالي الجبل، بينما يرى فيها آخرون تصعيداً يثير الجدل حول وحدة الجغرافيا السورية ومستقبلها. في المقابل، تتبنى أصوات فاعلة وشخصيات اجتماعية في المحافظة نهجاً مغايراً، مؤكدة أن المخرج الحقيقي لأزمات السويداء لا يكمن في الانفصال أو التخندق، بل في تفعيل لغة الحوار والانفتاح على المبادرات الوطنية. وتبرز هنا "المبادرة الأهلية لحل أزمة السويداء" كنموذج يسعى لتجسير الهوة بين أهالي المنطقة والدولة، داعية إلى تعزيز الخطاب الجامع ونبذ التحريض الطائفي، مع التشديد على أن السويداء جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، وأن أي حل مستدام يجب أن يرتكز على قيم التعايش المشترك.


وفي ظل هذا الاستقطاب، لا تزال التداعيات الأمنية تلقي بظلالها الثقيلة على الشارع المحلي، حيث برز مؤخراً تباين حاد حول الحوادث التي تمس حياة أبناء المحافظة. فقد أثار مقتل الشابين راضي محمد السقعان وأحمد حديد، اللذين استُهدفا بطائرة مسيّرة قرب الحدود السورية اللبنانية، موجة من السخط والانقسام؛ إذ هاجم مدير أمن محافظة السويداء، سليمان عبد الباقي، الأوساط المقربة من الهجري، متهماً إياهم بالصمت تجاه الحادثة لكون الفاعل يرتبط بالاحتلال الإسرائيلي. هذا الهجوم يعكس انقساماً عميقاً، حيث يرى البعض أن هناك "انتقائية" في المواقف تجاه الفاعلين الخارجيين، بينما يظل التيار المحيط بالهجري يركز على مساره السياسي الذي يعتبره تجاوزاً لكل الضغوط.


وعلى صعيد التحركات الرسمية، تظل هناك مسارات تسعى لفتح قنوات حوار، حيث أكدت بعض المبادرات الحكومية والأهلية على "خريطة طريق" تهدف إلى إعادة دمج المحافظة بشكل تدريجي في بنية الدولة السورية، مع التركيز على معالجة الملفات الأمنية والاجتماعية. هذه المساعي، التي تدعو إلى ضبط انتشار السلاح وتهيئة الظروف لعودة الاستقرار، تحظى بدعم من أطراف ترى أن أزمة السويداء هي قضية حوكمة محلية تتطلب تعاوناً مشتركاً لإنهاء حالة الفوضى. ورغم وجود تحديات جمة، إلا أن هناك قناعة متزايدة بأن استقرار السويداء مرهون بإنهاء حالة الجمود السياسي، والبدء بحوار مباشر يغلق الباب أمام التدخلات الخارجية التي تستغل الأزمات المحلية لفرض أجندات تزيد من تعقيد المشهد.


إن واقع الحال في السويداء اليوم يشير إلى أن خيار السلام والاستقرار لا يزال ممكناً، إذا ما تم تغليب لغة العقل والمصلحة الوطنية على الخطاب التصعيدي. فالمبادرات الأهلية، جنباً إلى جنب مع المساعي الجادة لترميم جسور الثقة، تشكل أرضية يمكن البناء عليها للخروج من دوامة الأزمات. وتظل الحاجة ملحة إلى قيادة محلية ووطنية تمتلك الجرأة لتقديم خطة عمل واضحة، تعيد الاعتبار لمبدأ المواطنة وتدفع باتجاه تسوية شاملة تحمي السويداء من الانزلاقات الأمنية، وتؤكد على أن مستقبل الجبل يظل مرتبطاً بمستقبل سوريا الموحدة والقوية، التي تستوعب خصوصية أبنائها وتضمن لهم حقهم في إدارة شؤونهم ضمن إطار وطني ديمقراطي وعادل.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال