تتجه الأنظار إلى العاصمة الفرنسية باريس منتصف حزيران المقبل، حيث من المتوقع أن تسجل سوريا حضوراً تاريخياً هو الأول من نوعه منذ تأسيس "مجموعة السبع" عام 1975، عبر مشاركتها كدولة ضيفة في القمة المرتقبة ممثلة بالرئيس أحمد الشرع. هذا التطور الرفيع، الذي كشفت عنه ثلاثة مصادر مطلعة، لم يكن معزولاً؛ بل جاء تتوّيجاً لخطوة تمهيدية شهدتها باريس قبل أيام، تمثلت في مشاركة وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في اجتماع مالي مغلق للمجموعة، حيث تسلّم هناك الدعوة الرسمية باليد، وبحث مع قادة الـ (G7) ورؤساء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي آليات إعادة دمج دمشق في النظام المالي العالمي، مستعرضاً خطط الإصلاح المالي وبيئة الاستثمار التي تطرحها الحكومة السورية الجديدة كحلقة استراتيجية في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
وعلى وقع هذا الانفتاح الاقتصادي مع القوى الكبرى، فتحت دمشق ملفاً شائكاً مع الجانب البريطاني، إذ التقى نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان، ومعاون مدير الهجرة والجوازات العقيد الوليد عرابي، بوفد رفيع من السفارة البريطانية ترأسته المبعوثة الخاصة للمملكة المتحدة، آن سنو، ومدير شؤون الهجرة الدولية، كينغسلي غرين. وتركزت هذه المباحثات المباشرة، وغير المعتادة منذ سنوات، على وضع أطر تنظيمية واضحة تكفل تسهيل عودة اللاجئين السوريين بشكل آمن ومنظم، بالتوازي مع رغبة متبادلة لتوسيع التعاون في مجالات التعليم والتأهيل الأكاديمي والتعافي التربوي.
هذا التحول في المقاربات السياسية والأمنية، رافقه تحرك حقوقي بارز في أروقة الأمم المتحدة، حيث سلّم مندوب سوريا الدائم، إبراهيم علبي، وثيقة انضمام البلاد إلى المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، لرئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولياريتش إيغر. وبحسب وزارة الخارجية والمغتربين، فإن هذه الخطوة تأتي لإنهاء حقبة من "الانتهاكات المنهجية" التي ارتكبها النظام المخلوع بحق المدنيين، وتدشين مرحلة جديدة تلتزم فيها الدولة عملياً ودبلوماسياً بحماية حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة، وبناء شراكات وثيقة مع المنظمات الدولية تعيد لدمشق موقعها الطبيعي في المنظومة الأممية.
هذه التحركات المتزامنة، من باريس إلى أروقة الأمم المتحدة مروراً باللقاءات المباشرة مع الجانب البريطاني، ترسم ملامح مرحلة انتقالية تتجاوز فيها دمشق سنوات العزلة؛ فالانفتاح على أقوى الاقتصاديات العالمية والتعهد بالالتزام بالمعايير الإنسانية الدولية، لا يبدو مجرد مناورة دبلوماسية، بل هو إعادة تموضع استراتيجي تهدف من خلاله "سوريا الجديدة" إلى حجز مقعدها مجدداً في قطار النظام العالمي، مستندة إلى ورقتي التعافي الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
