تضع وزارة النقل السورية نصب أعينها استراتيجية طموحة لإعادة هيكلة وتطوير قطاع النقل بكافة تفرعاته، معتبرة إياه شرياناً حيوياً لا غنى عنه لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وفي إطار هذا التوجه، كثف وزير النقل، يعرب بدر، من تحركاته مؤخراً لفتح آفاق تعاون جديدة مع جهات دولية وإقليمية، إلى جانب دعوة القطاع الخاص المحلي للمشاركة الفاعلة في هذه العملية التي تتجاوز مجرد البناء المادي لتصل إلى آفاق التحول الرقمي والإدارة الحديثة.
وفي خطوة لافتة لتعزيز العلاقات الثنائية، بحث الوزير بدر مع السفير الإماراتي في دمشق، حمد راشد بن علوان الحبسي، سبل استفادة سوريا من الخبرات الإماراتية المتقدمة، خاصة في مجالات الرقمنة والخدمات الإلكترونية المرتبطة بقطاع النقل. ويركز هذا التعاون على تطوير أنظمة تسجيل المركبات، والفحص الفني، واختبارات السواقة، بهدف تبسيط الإجراءات ورفع كفاءة الأداء المؤسسي. ولا يقتصر التطلع السوري على الجانب التقني فحسب، بل يمتد لدعوة الشركات الإماراتية للمساهمة في مشاريع البنية التحتية، وهو ما يتقاطع مع خطط الوزارة لإعادة تأهيل وتوسيع شبكة الطرق الحيوية، مثل طريق "دمشق–تدمر–دير الزور".
وإدراكاً لحجم التحديات التي فرضتها السنوات الماضية، لا سيما خروج أكثر من نصف شبكة السكك الحديدية عن الخدمة، تدفع وزارة النقل باتجاه تبني رؤية أكثر انفتاحاً عبر "هيئة ناظمة" تتولى ضبط المعايير والإشراف على الشراكات مع القطاع الخاص، الذي بات يُنظر إليه كشريك استراتيجي أساسي لإعادة تشغيل وصيانة هذه الخطوط. هذا التوجه يأتي بالتوازي مع سعي الوزارة لتأمين تمويل دولي، حيث تجري مفاوضات مع البنك الدولي للحصول على منحة مخصصة للسكك الحديدية، وأخرى مع البنك الإسلامي للتنمية لتقديم الدعم الفني اللازم لتقييم شامل لشبكة الطرق المركزية التي تمتد على نحو 9550 كيلومتراً.
ولا تقتصر الجهود على الإصلاح الهيكلي فقط، بل تمتد لتشمل تحديث السياسات العامة لضمان استدامة قطاع النقل البري بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والعمل على إطلاق منصة وطنية إلكترونية لتنظيم عمليات نقل البضائع. وتعد هذه الخطوات ضرورية ومُلحة في ظل وضع أسطول الشحن الذي يعاني من تقادم كبير، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن ثلاثة أرباع الشاحنات الكبيرة يتجاوز عمرها العشرين عاماً، مما يفاقم التحديات اللوجستية ويؤثر على كفاءة نقل البضائع بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وهو واقع تسعى الحكومة لتغييره عبر هذه الحزمة من المشاريع الطموحة التي تدمج بين البناء التحتين، والتكنولوجيا، والشراكات الفاعلة.
ويبقى الرهان اليوم معلقاً على قدرة الوزارة في ترجمة هذه المخططات والرؤى إلى واقع ملموس، فإعادة تأهيل قطاع النقل لا تمثل مجرد عمليات إنشائية للطرق والسكك، بل هي عملية استراتيجية متكاملة تتطلب تجاوز عقبات التمويل من خلال استقطاب الاستثمارات، وتوظيف التكنولوجيا، وتطوير الأطر التنظيمية؛ ليكون هذا القطاع بالفعل المحرك الأساسي لإعادة تفعيل عجلة الاقتصاد وربط المحافظات السورية بعضها ببعض بأسلوب عصري ومستدام يليق بطموحات المرحلة المقبلة.
