سوريا تطوي صفحة السلاح الكيماوي: تعاون ميداني وتفكيك لإرث النظام السابق


في خطوة وصفت بأنها بداية فعلية لطي صفحة الحرب الأهلية الطويلة وإغلاق ملف الأسلحة المحرمة دولياً، تشهد سوريا تعاوناً غير مسبوق بين السلطات الحالية ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية. هذا التعاون الذي أفضى إلى كشف مخزونات ومواقع سرية كان النظام السابق يخفيها عن أعين المجتمع الدولي، يمثل تحولاً جذرياً في التزام دمشق باتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، ويضع حداً لسنوات من الغموض حول حجم الترسانة المتبقية.


خلال جلسة لمجلس الأمن عقدت الخميس، أكدت إيزومي ناكاميتسو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، أن الفرق الفنية التابعة للمنظمة نجحت في الوصول إلى مواقع لم يتم الإفصاح عنها سابقاً في مناطق متفرقة من البلاد، كوسط وشمال سوريا وتحديداً في اللاذقية وحماة وإدلب. وأوضحت المسؤولة الأممية أن ما تم العثور عليه ليس مجرد بقايا لمواد كيميائية، بل ذخائر ومعدات ووثائق هامة، بعضها مطابق تماماً لتلك التي استخدمت في هجمات دموية هزت العالم في سنوات سابقة، مثل هجمات اللطامنة وخان شيخون والغوطة الشرقية.


ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على المواد المادية فحسب، بل تمتد لتشمل وثائق استخباراتية وفنية بالغة الحساسية، حيث سلمت السلطات السورية عشرات الصناديق التي تحتوي على ملفات سرية يجري تحليلها حالياً. وترافق ذلك مع إجراءات قانونية داخلية، حيث أعلن مسؤولون سوريون عن اعتقال ثمانية عشر شخصاً، بينهم مسؤولون عسكريون وفنيون كبار شغلوا مناصب رفيعة في عهد بشار الأسد، للاشتباه بتورطهم في إدارة هذا البرنامج السري، في حين لا تزال التحقيقات جارية لكشف كامل الشبكة.


وقد قوبل هذا الانفتاح السوري بترحيب دولي واسع، حيث أشادت الولايات المتحدة، عبر ممثلتها تامي بروس، بمرونة الحكومة السورية وعزمها على إغلاق هذا الملف نهائياً. كما انضمت دول عديدة من مختلف القارات إلى قائمة المرحبين، داعية إلى تقديم الدعم اللازم لدمشق لاستكمال هذه العملية المعقدة. وفي الوقت ذاته، شدد المندوب السوري لدى الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي، على أن بلاده اليوم منخرطة بفاعلية في تعزيز السلم والأمن الدوليين، وأنها حريصة على التخلص مما وصفه بـ "الإرث الثقيل" الذي تركه النظام السابق، مطالباً في الوقت نفسه بدعم المجتمع الدولي لضمان إتمام هذه المهمة بنجاح وبأسرع وقت ممكن.


إن حجم التحدي المتبقي لا يزال غير واضح تماماً، حيث تؤكد التقارير الأممية أن المعلومات السابقة التي قدمها النظام القديم كانت غير مكتملة، مما يفرض ضرورة الاستمرار في عمليات التفتيش وتوسيع نطاقها لتشمل المزيد من المواقع. ومع ذلك، فإن الخطوات المتخذة منذ آذار الماضي تشير إلى وجود إرادة سياسية حقيقية تهدف إلى تطهير البلاد من هذه الأسلحة الفتاكة، وتحويل موارد الدولة نحو البناء والاستقرار بدلاً من الاستمرار في دفع فاتورة الماضي الكيماوي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال