تشهد محافظة الحسكة ومناطق شمال وشمال شرقي سوريا حراكاً إدارياً وأمنياً مكثفاً يمثل ترجمة عملية لاتفاق الـ 29 من كانون الثاني المبرم بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، حيث بدأت ملامح عودة مؤسسات الدولة للعمل بشكل فعلي تتشكل على أرض الواقع بعد سنوات طويلة من التشظي الإداري والسيطرة المستقلة لـ "الإدارة الذاتية". هذه التحركات تأتي في سياق مرحلة جديدة تهدف إلى إنهاء الازدواجية في إدارة الملفات الحيوية، بدءاً من الأمن وصولاً إلى الزراعة والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، انتقلت إجراءات دمج العناصر الأمنية من حيز التصريحات إلى التنفيذ الفعلي، حيث أعلن نائب قائد قوى الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل علي، عن انطلاق المرحلة العملية لدمج عناصر "الأسايش" ضمن هيكلية وزارة الداخلية السورية. وقد بدأت هذه العملية فعلياً بإجراء مقابلات لـ 100 ضابط كخطوة أولى، مع ضمان الاحتفاظ برواتبهم السابقة، في حين يجري الترتيب لدمج نحو 9 آلاف عنصر آخرين في المحافظة، بما في ذلك كادر نسائي كبير، وذلك وفقاً لخطط مدروسة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الأمني وتوحيد مرجعية العمل الشرطي تحت مظلة المؤسسة الرسمية، مع وجود توجه موازٍ لدعم الوضع الأمني في عفرين عبر انضمام مئات العناصر لقوى الأمن العام هناك.
وبالتوازي مع المسار الأمني، كان الملف الاقتصادي والزراعي حاضراً بقوة في أجندة الدمج، نظراً لأهميته القصوى لاستقرار المنطقة. فقد أعلنت وزارة الزراعة السورية عن بدء دمج المؤسسات الزراعية، حيث عقدت اجتماعات تنسيقية ضمت مدير زراعة الحسكة والمكلف من هيئة الزراعة في الإدارة الذاتية. وتناولت هذه اللقاءات وضع خطة شاملة لدمج المديريات، وضبط آليات توزيع المناشئ، وتسويق المحاصيل، وعلى رأسها القمح، لضمان استلام المحصول وتنسيق الجهود لرفع كفاءة الموسم الزراعي. هذه الخطوات تعكس رغبة واضحة في توحيد الإدارة الخدمية لضمان وصول الموارد إلى مستحقيها وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الانقسام.
هذا الحراك الإداري يتزامن مع ضغوط شعبية متزايدة، حيث شهد ريف الحسكة احتجاجات خلال الأيام الماضية تعبيراً عن تدهور الواقع الخدمي والمعيشي وأزمات المياه والكهرباء. وفي هذا الصدد، أكد نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي أن هذه المطالب الخدمية تصل مباشرة إلى القيادة السورية، مشدداً على أن نجاح مسار الاندماج يجب أن ينعكس ملموساً على حياة المواطنين. وأعلن الهلالي عن قرب تشكيل المكتب التنفيذي للمحافظة، الذي سيتولى متابعة الملفات الخدمية والتنموية بشكل عاجل، مؤكداً أن العمل مستمر للاستجابة لمطالب الأهالي وتجاوز العقبات الراهنة.
إن هذه التطورات لا تقتصر على الجوانب الأمنية والزراعية والخدمية فحسب، بل تمتد لتشمل ملفات أكثر تعقيداً تم الاتفاق عليها، مثل التعليم الذي شهد عودة امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية للمرة الأولى منذ سنوات في جميع مناطق الحسكة، بالإضافة إلى ملفات القضاء والإدارة المدنية والتمثيل السياسي. وبينما يرى مراقبون أن التقدم في هذه الملفات يسير بوتيرة متفاوتة بين ملف وآخر، إلا أن البدء الفعلي بدمج المؤسسات والأفراد وتشكيل الهياكل الإدارية الجديدة يمثل منعطفاً حاسماً في تاريخ المنطقة، ويشير إلى رغبة كافة الأطراف في طي صفحة الماضي والمضي قدماً نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة في شمال وشرق البلاد.
