تتسارع نبضات الشارع السوري في عدة مدن ومحافظات، معلنةً عن حالة من الاحتقان الشعبي الرافض لمحاولات "تعويم" شخصيات ارتبطت بالنظام المخلوع أو الميليشيات الداعمة له. هذه التحركات التي بدأت وتيرتها بالتصاعد تعكس رغبة حقيقية لدى الأهالي في طي صفحة الماضي الذي شهد انتهاكات جسيمة، وتؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يبنى في ظل وجود من تلطخت أيديهم بدماء السوريين في مواقع المسؤولية أو حتى في الحياة العامة.
ففي مدينة دير الزور، حوّل الأهالي ساحة السبع بحرات إلى منصة للكرامة، حيث نصبت "خيمة اعتصام" مفتوحة جذبت المئات من أبناء المحافظة. المشهد هناك يعبر عن عمق الجرح؛ فالمتظاهرون الذين رفعوا صور الشهداء الذين قضوا في سنوات الثورة الأولى، لا يطالبون بوعود نظرية، بل يصرون على محاسبة المتورطين وابعاد كل من كان جزءاً من منظومة القمع عن المشهد الاجتماعي والسياسي. الصرخة التي ترددت في شوارع المدينة كانت واضحة: لا مكان لمن كان يوماً "شبيحاً" ليصبح اليوم بعباءة جديدة أو في منصب مسؤولية، معتبرين أن ذلك استفزازاً لمشاعر عائلات الضحايا وتهديداً للسلم المجتمعي الذي يطمحون إليه.
ولا تختلف الصورة كثيراً في الشمال السوري؛ فمدينة كفرنبل في ريف إدلب، التي لطالما كانت صوتاً مدنياً وقوياً خلال سنوات الثورة، أكدت من جديد تمسكها بقرارها الحازم بمنع دخول أي شخص عمل مع النظام المخلوع أو ارتبط به، عسكرياً كان أو مدنياً. اللافتات التي رُفعت هناك لم تترك مجالاً للتأويل، حيث جاءت عبارات مثل "لا صفح ولا غفران" لتجسد قناعة الأهالي بأن التسامح مع القتلة يعد إهانة لتضحيات آلاف الشهداء. هذا الموقف جاء ليعزز حالة من الرفض العام تسري في المنطقة، بعد حوادث مماثلة في مدن مثل سلقين، حيث يسود اعتقاد راسخ بأن عودة هؤلاء تشكل خطراً على الاستقرار الهش الذي تحاول المجتمعات المحلية بناءه.
وفي حلب، وتحديداً في حي السكري، انتقل الحراك إلى مستوى أكثر مباشرة، حيث خرج الأهالي في مظاهرة ليلية حددت مهلة زمنية لخروج من وصفوهم بـ "فلول الشبيحة" من الحي. هذا الحراك يعكس أن المطالب لم تعد مجرد شعارات، بل إجراءات عملية يفرضها الناس على الأرض لضمان حماية أحيائهم. إن هذا الترابط في المطالب بين دير الزور، وإدلب، وحلب، يرسم صورة لمشهد سوري موحد في جوهره، يرفض الالتفاف على مسار العدالة الانتقالية.
يجمع المحتجون في هذه المناطق على حقيقة واحدة: أن بناء الدولة لا يمكن أن يستقيم ما دام "الفاسد والمؤيد" يتصدر الواجهة. وهم يرسلون رسالة واضحة للسلطات المعنية بأن أي مشروع للاستقرار سيفشل ما لم يبدأ بالمساءلة والمحاسبة الحقيقية. بالنسبة لهؤلاء المواطنين، فإن العدالة ليست خياراً للمفاوضات، بل هي الشرط الأساسي الذي لا حصانة لأي متورط تجاوزه، وهي المسار الوحيد الذي يمكن أن يشفي غليل المجتمع ويحفظ دماء أبنائه من مزيد من الاستنزاف أو الانتقامات الفردية خارج إطار القانون.
