في تحول لافت للمشهد السياسي في سوريا، خرج الرئيس أحمد الشرع عن صمته تجاه التكهنات التي تحيط بدور بلاده في الملف اللبناني، حاملاً رسائل تطمينية ومباشرة في آن واحد. ففي لقاء جمعه بوجهاء وأعيان ريف دمشق، قطع الشرع الطريق على ما وصفها بـ "الشائعات" التي راجت مؤخراً حول وجود نوايا سورية للتدخل عسكرياً في لبنان، مؤكداً أن دمشق لا تفكر في هذا السيناريو، وأن الأولوية الحالية تتركز على ترتيب البيت الداخلي السوري والتعامل مع تحديات تنموية وخدمية ملحة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تعيش فيه المنطقة حالة من الترقب، خاصة بعد إشارات من واشنطن، على لسان الرئيس دونالد ترمب، الذي ألمح إلى إمكانية الاستعانة بسوريا للقيام بدور أكثر فاعلية في مواجهة حزب الله. ورغم هذه الضغوط الأمريكية، بدت دمشق حريصة على رسم حدود واضحة لعلاقتها مع الجارة لبنان، مشددة على لسان مسؤوليها، ومنهم المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، على أن أي تنسيق أو دور سوري في الملفات اللبنانية لن يتم إلا عبر البوابة الرسمية وبما يخدم السيادة اللبنانية والأمن المشترك للبلدين.
ويعكس الموقف السوري الحالي واقعية سياسية تدرك حجم التركة الثقيلة للماضي، حيث لا تزال العلاقات بين دمشق وبيروت مثقلة بإرث تاريخي من التدخلات المتبادلة وجراح ماضية، فضلاً عن ملفات عالقة ومعقدة منذ عقود، وعلى رأسها ترسيم الحدود الذي وصفه الشرع بأنه ملف "بالغ التعقيد" ولا يمكن فتحه الآن في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها لبنان، بما في ذلك أزمة النزوح السوري التي تضغط على كاهل البلدين. وبدلاً من الخوض في نزاعات حدودية قد تفتح بوابات صراع جديدة، يفضل المسؤولون السوريون التركيز على "أولويات" أخرى مثل الربط الاقتصادي وتعزيز الاستقرار.
هذه المقاربة السورية الهادئة تجاه المحيط الإقليمي تتزامن مع انفتاح لافت في قنوات التواصل مع واشنطن، وهو ما تجلى في اللقاءات الدبلوماسية المتكررة بين وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك. وتشي هذه اللقاءات، التي عُقدت في مدن تركية كإسطنبول وأنقرة، بأن الإدارة الأمريكية الحالية باتت تنظر إلى سوريا من زاوية "الفرص" التي يمكن الاستثمار فيها لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة أزماتها، وهو توجه قد يعيد رسم دور دمشق في المعادلات الدولية القادمة.
بينما تسعى الإدارة السورية الجديدة لتثبيت أركان حكمها بعد التغييرات الجذرية التي شهدتها البلاد في أواخر عام 2024، يبرز التحدي الأكبر في الموازنة بين طموحات إعادة الإعمار، والالتزام بالاستقرار الإقليمي، والتعامل مع ضغوط القوى الدولية. وبينما يدعو الرئيس الشرع شعبه للتكاتف والتحلي بالصبر لبناء سوريا الجديدة وتجاوز عثرات الماضي، تظل المنطقة بأكملها معلقة على ما ستؤول إليه هذه التحركات الدبلوماسية.
وختاماً، تحاول دمشق الموازنة بين طي صفحة الماضي والتركيز على التعافي الداخلي، مع انتهاج سياسة حذرة تجاه الضغوط الإقليمية. ومع استمرار المساعي الدبلوماسية مع القوى الدولية، يبقى الرهان قائماً على قدرة القيادة السورية في تحويل هذا المسار الهادئ إلى استقرار دائم يعيد للبلاد دورها بعيداً عن أزمات الجوار.
