الدولة السورية في مواجهة مطالب القصاص الشعبية


بينما تتصاعد أصوات السوريين في مناطق مختلفة من البلاد مطالبةً بالقصاص ممن عاثوا فساداً خلال سنوات حكم النظام المخلوع، تجد الدولة السورية الناشئة نفسها أمام تحدٍ وجودي يتمثل في كيفية إدارة "ملف العدالة"؛ فالمطالب الشعبية التي تعكس جروحاً لم تندمل بعد، تصطدم بواقع تعقيدات بناء مؤسسات قادرة على تحقيق محاسبة تليق بتضحيات السوريين، دون أن تتحول إلى فوضى انتقامية قد تعيد إنتاج دوائر العنف.


الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب أصوات رسمية في وزارتي الداخلية والعدل، تبنت خطاباً يحاول جسر الهوة بين الغضب الشعبي وضرورات الدولة القانونية، مؤكدة أن "عدالة المؤسسات" هي الضامن الوحيد لعدم الإفلات من العقاب، وأن الانفعال أو استيفاء الحق بالذات لا يخدم سوى تقويض الأمن. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ليست مجرد مطلب شعبي بل "التزام حكومي"، مشدداً على أن العدالة لا تُبنى على الانفعال بل على مؤسسات القضاء. كما أكد وزير العدل، مظهر الويس، أن الدولة ماضية في محاسبة المجرمين عبر القانون، مشدداً على أنه "لا مكان للفوضى أو الانتقام، بل لسيادة القانون وحفظ الحقوق للضحايا"، وهو التوجه الذي عززه النائب العام للجمهورية، حسان التربة، موضحاً أن مسار العدالة الانتقالية يسير وفق منظومة قانونية متكاملة تعالج إرث الانتهاكات.


إن المداولات الجارية تعكس إدراكاً متزايداً بأن العدالة ليست مجرد أحكام بالإعدام، بل منظومة تكشف الحقائق، وهو ما أكد عليه مدير الإعلام في وزارة العدل براء عبد الرحمن حين أشار إلى أن التمهل في المحاكمات، كما في قضية أمجد يوسف، يهدف إلى استخراج الأدلة وفك خيوط الجرائم التي ظلت مغيبة لسنوات، وهو نهج يتماشى مع مطالبات الأمم المتحدة بضرورة احترام المعايير الدولية.


​غير أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالتوتر، فالشارع الذي خرج ليرفض أي محاولة لإعادة دمج "فلول النظام" يخشى أن تتحول المماطلة القضائية إلى ثغرة تمنح المذنبين فرصة للإفلات من العقاب تحت غطاء "الإجراءات القانونية". هذا الخوف هو ما يفسر التوترات التي صاحبت المظاهرات الأخيرة، وهو ما دفع الحكومة إلى محاولة استيعاب الغضب بالتأكيد على أن التعاون مع هيئة العدالة الانتقالية أصبح استراتيجية مؤسسية لضمان عدم ضياع حقوق الضحايا.


​إن المعادلة التي تحاول سوريا الجديدة حلها اليوم تكمن في قدرتها على التوفيق بين "عدالة الضحايا" التي تنشد القصاص، و"عدالة الدولة" التي تنشد الاستقرار المستدام؛ فالتاريخ يخبرنا أن المجتمعات لا تتعافى بالثأر، ولكنها في الوقت ذاته لا يمكنها بناء دولة قانون على أنقاض الإفلات من العقاب. وبينما تواصل الأجهزة الأمنية والقضائية ملاحقة المتورطين، تظل العيون شاخصة نحو القضاء، ليس فقط لإنزال العقوبات، بل لإعادة تعريف مفهوم "العدالة" في وجدان السوريين، لتكون درعاً يحمي حقوق المظلومين، بدلاً من أن تكون مجرد أداة لإدارة الصراعات.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال