تشهد محافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا واقعاً معيشياً واقتصادياً متسارع التحولات، حيث تتقاطع ضغوط أزمة المحروقات اليومية مع تطورات استراتيجية في ملف الطاقة، بالتزامن مع انفراجة في حركة العبور عبر معبر "سيمالكا" الحيوي الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للمنطقة.
ففي ظل أزمة وقود خانقة، أقرّت مديرية المحروقات بالمحافظة رفع سعر لتر المازوت الحر إلى 75 سنتاً أمريكياً، وذلك بعد فترة وجيزة من خفضه إلى 55 سنتاً. هذا التخبط في التسعير جاء بالتزامن مع بدء ضخ المازوت الوارد من المصافي الحكومية في محطات الوقود لأول مرة منذ سنوات بسعر 88 سنتاً للتر، في خطوة تبررها السلطات بمحاولة سد العجز في المادة وتغطية الاحتياجات المتزايدة، لا سيما مع انطلاق موسم الحصاد الذي يضاعف الطلب على الوقود. وتكشف التقارير الميدانية أن فرق السعر بين المازوت المكرر محلياً والمحروقات الحكومية قد شجع عمليات تهريب منظمة كانت تستنزف المخزون وتفاقم معاناة الأهالي الذين يصطفون لساعات طويلة أمام المحطات.
وعلى صعيد موازٍ، تنفست المنطقة الصعداء مع استئناف حركة العبور عبر جسر "سيمالكا" الحدودي مع إقليم كردستان العراق، بعد إغلاق استمر نحو شهرين نتيجة الأضرار التي لحقت به جراء السيول وارتفاع منسوب نهر دجلة. ويعد هذا الجسر الرئة التي تتنفس من خلالها المنطقة تجارياً وإنسانياً، حيث تترقب الأسواق استقرار حركة البضائع بعد إعادة تأهيل المعبر. وتأتي هذه العودة في توقيت حساس، إذ تواجه التجارة تحديات إضافية بعد قرار الحكومة السورية ربط المعبر بالمنظومة الجمركية الموحدة، مما أثار احتجاجات واسعة من قبل المخلصين الجمركيين وشركات الشحن التي تشكو من تراجع حركة الاستيراد.
وبينما تنشغل الحسكة بتحدياتها المحلية، برزت على الساحة السورية تطورات مهمة في ملف الطاقة؛ حيث نفت الشركة السورية للبترول بشكل قاطع الأنباء المتداولة حول دخول شركة "AXP Energy" إلى قطاع النفط والغاز السوري، مؤكدة عدم وجود أي اتفاقيات تعاون معها. وفي الوقت ذاته، أعلنت الشركة عن توقيع عقد مع شركتي "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا إنرجي" الأميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة الإنتاج، وذلك في إطار مساعٍ حكومية لاستقطاب الاستثمارات الدولية عقب رفع جزء كبير من العقوبات المفروضة على سوريا وتزايد اهتمام الشركات الأجنبية بفرص الاستثمار في هذا القطاع. وقد تُرجم هذا الاهتمام بلقاء جمع الرئيس أحمد الشرع بالرؤساء التنفيذيين للشركتين الأميركيتين بحضور رجل الأعمال أيمن أصفري لبحث آفاق التعاون المستقبلي.
تظل الأنظار معلقة بين التطورات الميدانية والقرارات الاقتصادية؛ فبينما تحاول السلطات ضبط سوق الوقود وفتح المعابر لإنعاش الاقتصاد، تفتح التطورات الأخيرة في قطاع الطاقة باباً جديداً من التوقعات حول مستقبل الاستثمار الدولي في سوريا، في وقت لا يزال فيه المواطن في الحسكة يأمل أن تنعكس هذه التحركات الكبرى انفراجاً ملموساً على حياته اليومية.
