سوريا دون مخدرات "بوصلة أمنية ومجتمعية لمستقبل خالٍ من السموم"


لم تكن الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات التي أطلقتها الحكومة السورية مؤخراً تحت شعار "سوريا دون مخدرات" مجرد استجابة روتينية لليوم العالمي لمكافحة المخدرات، بل هي في جوهرها تحرك سياسي استراتيجي يهدف إلى إعادة تعريف هوية الدولة السورية في مرحلة ما بعد النظام المخلوع. إن انتقال الدولة من موقف المتهم دولياً بكونها مصدراً لـ "الكبتاغون"، إلى موقع المبادرة في تفكيك هذه الشبكات، يعكس رغبة حقيقية في استعادة السيادة الأخلاقية والأمنية، وهي خطوة ضرورية لأي دولة تطمح للعودة إلى محيطها الإقليمي كشريك في الأمن والاستقرار، وليس كعبء أو مصدر تهديد.


إن التوغل في قراءة التصريحات الرسمية والنتائج الأمنية المعلنة -التي شملت تفكيك 90 شبكة دولية وضبط مئات الملايين من الحبوب المخدرة- يشير إلى أن الحكومة السورية تدرك تماماً أن "المعالجة الأمنية" وحدها لن تكون كافية. فهذا الملف، الذي تراكمت تعقيداته على مدار سنوات طويلة، تحول إلى أداة ابتزاز وتفكيك للمجتمع السوري، وهو ما يفسر الإصرار الحكومي على تبني نهج مؤسساتي يجمع بين الضربات الاستباقية وبين إنشاء مجالس متخصصة للصحة النفسية ومراكز للتعافي. هذا الربط بين الأمن والتربية والعلاج يعطي انطباعاً بأن القيادة السورية بصدد معالجة الجرح في أبعاده العميقة، وليس فقط في قشرته الخارجية.


ومع ذلك، تظل التحديات جسيمة، فالمخدرات في المنطقة لم تعد مجرد جريمة عابرة للحدود، بل هي منظومات اقتصادية متجذرة يصعب تفكيكها بقرارات إدارية فحسب. إن نجاح هذه الحملة مرهون بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على زخم التعاون الإقليمي والأمني، وبقدرتها على تحويل المواقع التي كانت تُستخدم للإنتاج إلى مراكز للإنتاج المعرفي والتنموي، كما هو مخطط له في حلب وإدلب. إن اختبار المصداقية هنا يتوقف على استدامة هذه الإجراءات وقدرتها على الصمود أمام الضغوط التي قد تمارسها الشبكات العابرة للحدود التي تضررت مصالحها بفعل الضربات الأخيرة.


في نهاية المطاف، إن نجاح سوريا في اجتياز هذا الاختبار لا يعيد بناء أمنها الداخلي فحسب، بل يعيد ترميم صورتها كدولة للعلم والتطور، وهو طموح أعلنه وزير الداخلية في أكثر من مناسبة. إن الطريق إلى "سوريا دون مخدرات" يبدو طويلاً وشائكاً، لكنه يمثل في الوقت ذاته بوصلة حقيقية لمسار سوريا الجديد؛ حيث الدولة هي التي تحمي المجتمع وتصون أمنه، وحيث يتم استبدال تجارة السموم بآفاق التنمية المستدامة، وهو رهانٌ، إن كسبته دمشق، فإنه سيغير وجه المعادلة الأمنية في المنطقة برمتها.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال