محاكمة مفتي النظام: حين يتحول الخطاب الديني إلى مادة للمساءلة الجنائية


في مشهد قضائي استثنائي وغير مسبوق، بدأت في دمشق محاكمة أحمد بدر الدين حسون، المفتي المخلوع للنظام السوري، لتضع القضاء السوري أمام تحدٍّ فقهي وقانوني لا يقل تعقيداً عن الفظائع التي شهدتها البلاد. نحن أمام حالة لا تطرح سؤال "من أطلق الرصاص؟" أو "من أصدر أمر التعذيب؟"، بل تذهب إلى أبعد من ذلك لتسأل: كيف نقيم مسؤولية أولئك الذين وفروا الغطاء الأخلاقي والديني لآلة القتل؟ إنها محاكمة "السلطة الرمزية" والكلمة التي تحولت إلى أداة للتعبئة، في سابقة قد تعيد تشكيل مفاهيم المسؤولية الجنائية في سياق النزاعات المعقدة.


إن النموذج التقليدي للعدالة الجنائية الدولية صُمم ليلاحق الفاعل المادي، الجندي أو القائد الميداني، بينما تبدو قضية حسون وكأنها محاولة لرسم خط جديد للمساءلة. فالمتهم هنا لم يحمل سلاحاً، ولم يقد فرقة عسكرية، بل استند دوره المزعوم إلى منصبه الديني الرفيع وتأثيره الخطابي الذي قيل إنه ساهم في إخراج فئات مجتمعية كاملة من مظلة الحماية القانونية، وشرعن العنف الممارس ضدها. وهنا تكمن الخطورة الفلسفية للقضية؛ فالمحكمة اليوم تعيش حالة اختبار دقيق، عليها أن توازن بين إرضاء طموح العدالة العامة وتجنب الانزلاق إلى مستنقع "المحاكمات السياسية" التي تفتقر إلى الأساس القانوني المتين.


وتتمثل المعضلة الكبرى أمام المحكمة في كيفية تكييف "التحريض" كجرم يعتد به دولياً. ففي حين توفر قوانين العقوبات المحلية نصوصاً فضفاضة للتحريض، يظل القانون الجنائي الدولي أكثر صرامة، حيث لا يعتبر الخطاب جريمة قائمة بذاتها إلا في سياق محدد جداً مثل الإبادة الجماعية. ولتجاوز هذه العقبة، يتوجب على الادعاء السوري ألا يكتفي بالقول إن حسون "حرّض"، بل أن يثبت رابطاً قانونياً ملموساً بين خطاباته وتصريحاته الموجهة لضباط وعناصر الأمن، وبين جرائم ارتكبت بالفعل على الأرض. إن ربط المحاضرات التي ألقيت أمام العسكريين بوقائع قتل أو تدمير في فترات زمنية محددة هو السبيل الوحيد لتحويل القضية من "إدانة أخلاقية" إلى "فصل جنائي" صلب.


إن السلطة الدينية التي كان يمتلكها حسون لا تشكل في حد ذاتها جريمة، لكنها تتحول إلى "عامل مضاعف" في ميزان الإثبات. فكلمة المفتي لا تُلقى في الفراغ؛ بل تُستقبل كإذن أو غطاء ديني يمنح المرتكبين شعوراً بالشرعية في سلوكهم العنيف. ومع ذلك، فإن السقوط في فخ توسيع نطاق السببية يمثل أكبر مخاطر المحاكمة؛ فالمحكمة مطالبة بأن تربط كل جملة أو موقف متهم به بجريمة محددة، وليس بتحميل المتهم المسؤولية الشاملة عن كامل "آلة القمع". إن الوقوع في هذا الفخ سيجعل من الحكم وثيقة سياسية هشة، بينما التزام الدقة المنهجية واقعةً إثر واقعة سيجعل منها مرجعاً قانونياً يستحق الاحترام.


في نهاية المطاف، لا تهدف هذه المحاكمة إلى مجرد إصدار عقوبة بحق فرد، بل إلى رسم حدود فاصلة بين حرية التعبير—حتى في أكثر صورها تطرفاً—وبين التحريض المباشر الذي يمهد الطريق للدم. إن الميزان الذي سيحكم به القضاء السوري على "المفتي المخلوع" سيصبح، شاءت المحكمة أم أبت، مقياساً لمستقبل العدالة في البلاد؛ فإما أن ترسخ نهجاً قانونياً رصيناً لا يعترف إلا بالدليل والسببية، أو أن تنزلق نحو تسييس العدالة، وفي كلتا الحالتين، سيبقى التاريخ شاهداً على هذه اللحظة التي وُضع فيها "المنبر" لأول مرة في ميزان القضاء.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال