بعد اكتمال نصابه.. مجلس الشعب السوري يطوي صفحة الماضي ويستعد لأولى جلساته


لم يكن يوم الأربعاء يوماً عادياً في الذاكرة السورية الحديثة، فبينما كانت العاصمة دمشق تستعد لاستقبال ملامح مرحلة سياسية مختلفة، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب عن اكتمال النصاب القانوني للمجلس عبر إعلان أسماء "الثلث المكمل"، لتتضح أخيراً ملامح أول برلمان سوري يتشكل في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. هذا الإعلان الذي جاء ليضع اللبنات الأولى في بناء مؤسسات الدولة، حمل في طياته دلالات رمزية ووطنية تجاوزت مجرد توزيع المقاعد، لتصبح محطة مفصلية في مسيرة استعادة الاستقرار والتعافي.


لقد جاءت القائمة التي أعلنها رئيس اللجنة، محمد طه الأحمد، لتعكس رغبة واضحة في مزج الخبرات الوطنية بالتضحيات الشخصية التي قدمها السوريون على مدى سنوات طويلة. ففي قاعة المؤتمرات التي ضجت بالاهتمام، استمع السوريون إلى تفاصيل تشكيلة ضمت بين جنباتها أكاديميين يحملون درجات الدكتوراه والماجستير، وشخصيات عامة، ووجهاء مجتمع، بل ونماذج حية من ذوي الشهداء والناجين من المعتقلات، في رسالة مفادها أن هذا المجلس لا يمثل فئة بعينها، بل هو انعكاس لمعاناة وطموحات النسيج السوري بكل أطيافه.


وفي لغة الأرقام، كان التوزيع الجغرافي والمهني حاضراً بقوة، حيث شملت المقاعد مختلف المحافظات السورية من حلب إلى الحسكة، ومن دمشق إلى إدلب، متجاوزةً عُرفاً سابقاً كان يُختصر فيه دور البرلمان بمسميات شكلية. أما الفئات المشمولة، فقد تضمنت حقوقيين ومهندسين وأطباء ورجال أعمال، إلى جانب حضور لافت للنساء والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وضمان تمثيل حقيقي يعيد للمواطن ثقته بفعالية هذه المؤسسة التشريعية.


وعلى الجانب الآخر من المشهد، لم يمر هذا الإعلان دون أن يثير تفاعلاً شعبياً واسعاً يعكس سقف الطموحات العالي. ففي الشارع السوري، تباينت الآراء بين الترقب الحذر والأمل المتجدد، حيث عبر المواطنون بوضوح عن رغبتهم في رؤية "مجلس خدمي" يبتعد عن إرث "التصفيق" والوساطات الذي ساد طويلاً، مطالبين بتشريعات نوعية تنهض بالاقتصاد وتدعم الاستثمار وتضمن شفافية المساءلة. إن عودة الحياة التشريعية، كما وصفها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، تعد ركيزة أساسية لاستقرار مؤسسات الدولة، وخطوة أولى نحو تعافي سوريا الذي طال انتظاره.


بينما يترقب السوريون يوم الاثنين المقبل موعداً للجلسة الأولى التي ستضع أعضاء المجلس أمام مسؤولياتهم التاريخية، تظل الأعين شاخصة نحو هؤلاء النواب الذين سيحملون أمانة تمثيل شعبٍ يتطلع إلى غدٍ أفضل. إنها ليست مجرد دورة برلمانية تستمر لثلاثين شهراً، بل هي اختبار حقيقي لقدرة السوريين على بناء دولة القانون، وإثبات بأن هذه الكفاءات التي نالت ثقة الرئيس والمواطن قادرة فعلاً على تحويل التضحيات إلى إنجازات تشريعية تنعكس رخاءً وعدالة على حياة السوريين في الداخل والخارج.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال