تشهد العلاقات الاقتصادية والخدمية بين سوريا والكويت تحولاً لافتاً في الآونة الأخيرة، يعكس رغبة متبادلة في تفعيل مسارات التعاون وتجاوز فترات الركود السابقة، حيث بدأت ملامح هذا الانفتاح تتشكل عبر خطوات ملموسة شملت قطاعي الاتصالات والطيران، مما يبشر بمرحلة جديدة من الاستثمارات الأجنبية التي تهدف إلى إعادة الإعمار وتنشيط الحركة التجارية والاجتماعية.
في قلب هذا الحراك الاقتصادي، برز الاستثمار الضخم لمجموعة "زين" الكويتية للاتصالات، التي نجحت في الفوز برخصة تشغيل شبكة للهاتف المحمول في سوريا، في صفقة تُعد واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية في البلاد خلال المرحلة الراهنة. وتتجاوز قيمة هذه الصفقة الإجمالية 1.5 مليار دولار، حيث تخصص الشركة جزءاً منها لدفع رسوم الرخصة البالغة 747 مليون دولار، بينما يوجه النصف الآخر لتطوير وتحديث البنية التحتية التكنولوجية، بما في ذلك إدخال خدمات الجيل الخامس المتطورة. هذا التوجه حظي بترحيب رسمي سوري، إذ توج باستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع لوفد المجموعة برئاسة بدر الخرافي، للتأكيد على أهمية هذه الخطوة في تطوير القطاع الرقمي، خاصة أن الاتفاق يضمن للحكومة السورية حصة تبلغ 25% في الكيان المشغل، وهو ما يأتي بالتزامن مع خطوات مماثلة لشركات خليجية أخرى، مثل مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة الاتصالات السعودية "إس تي سي" في مشروع للألياف الضوئية، مما يشير إلى توجه متصاعد لتوظيف رؤوس الأموال الإقليمية في عملية التنمية.
وبالتوازي مع هذا الحراك الرقمي، عاد الجسر الجوي ليعزز التواصل بين البلدين، حيث أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية عن بدء تسيير رحلات منتظمة ومباشرة بين الكويت ودمشق، تلتها خطوات مماثلة لربط الكويت بمدينة حلب عبر شركة طيران "الجزيرة". هذه الرحلات ليست مجرد أرقام في جدول طيران، بل هي دلالة على تطبيع الحركة التجارية والسفر، وتأتي في سياق أوسع لتطوير الملاحة الجوية السورية التي سجلت ارتفاعاً لافتاً في أعداد الطائرات العابرة لأجوائها، لتصل إلى أكثر من 15 ألف طائرة خلال شهر واحد. هذا التنامي في حركة العبور الجوي يعكس بدوره ثقة متزايدة في معايير السلامة والخدمات التي تقدمها الهيئة، وهو ما تراه دمشق تأكيداً على دورها الجغرافي كمركز إقليمي للملاحة، وقدرتها على استيعاب حركة النقل الدولية، مما يمهد الطريق لمزيد من الربط الاقتصادي الذي يعزز من حضور سوريا على خارطة الاستثمار والخدمات الإقليمية.
تؤكد هذه التحركات المتبادلة أن عجلة الاقتصاد السوري بدأت تأخذ مساراً جديداً يعتمد على الشراكات الإقليمية الفاعلة، حيث لا يقتصر الأثر على الأرقام الاستثمارية الضخمة أو كثافة الرحلات الجوية فحسب، بل يتعداه ليكون رسالة انفتاح تعيد صياغة المشهد السوري في محيطه العربي. ومع تكامل الجهود في قطاعات الاتصالات والطيران، تتضح معالم مرحلة واعدة من الربط الاستراتيجي التي قد تشكل حجر الزاوية في مسيرة التعافي الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات خلال الفترة المقبلة.
