تعيش مدينة القامشلي حالة من الجدل والاحتجاج الشعبي عقب مباشرة آليات الهدم بإزالة مبنى البلدية التاريخي، الذي يعد أحد أقدم المعالم الإدارية التي رافقت نشأة المدينة في ثلاثينيات القرن الماضي. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو مساعي الحكومة السورية لإعادة تفعيل المعابر الحدودية وتنشيط الحركة الاقتصادية في محافظة الحسكة، جاءت عملية هدم هذا الصرح لتضع المدينة أمام صراع حاد بين المشاريع الاستثمارية وضرورات الحفاظ على الهوية الثقافية.
وتشير التقارير المتداولة إلى أن المبنى، الذي يحمل في جدرانه ذاكرة المدينة الجماعية وشواهد على تاريخها المشترك بين مختلف مكوناتها من عرب وكرد وسريان وآشوريين وأرمن، قد بيع لمستثمر مقرب من "قسد" بصفقة بلغت قيمتها نحو 1.3 مليون دولار، بهدف إقامة مشروع تجاري في موقعه. هذا الإجراء قوبل بموجة استنكار واسعة، حيث أصدرت أكثر من 22 منظمة من منظمات المجتمع المدني، إلى جانب المنظمة الآثورية الديمقراطية، بيانات ترفض فيها المساس بالهوية المعمارية للقامشلي، معتبرة أن إزالة المبنى في ذكراه المئوية الأولى ليست سوى "خطوة مؤسفة" وعبثاً بالذاكرة الوطنية، وطالبت بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عن هذا القرار الذي اتخذ بعيداً عن أي استشارة قانونية أو مهنية.
وفي موازاة الرفض الشعبي، دخل "الفريق الرئاسي" السوري المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع قسد على خط الأزمة، واصفاً عملية الهدم بأنها "اعتداء على معلم تاريخي". وأكد الفريق في بيان رسمي له أن الأملاك العامة والأبنية الحكومية هي ملك لجميع السوريين، ولا يجوز لأي جهة التصرف بها خارج الأطر القانونية للدولة. وحذر الفريق المواطنين والمستثمرين من التورط في عقود تتعلق بالأملاك العامة في ظل هذه الظروف، مشدداً على أن أي إجراءات أحادية تتخذ في هذا السياق باطلة قانونياً، وسيتم مراجعتها ومعالجتها وفق القوانين النافذة لاستعادة الحقوق العامة، داعياً الجهات التابعة لقسد إلى الامتناع عن فرض وقائع جديدة على الأرض لضمان نجاح عملية الاندماج والحفاظ على مقدرات الدولة.
تأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، قتيبة بدوي، تعزيز العمل المؤسساتي من خلال جولة ميدانية في الحسكة شملت منفذ القامشلي الحدودي، بهدف إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة لدعم الاقتصاد الوطني. هذا التناقض بين مساعي الدولة لترميم المرافق الحيوية في القامشلي، وبين تصرفات "الإدارة الذاتية" التي منحت الضوء الأخضر لهدم معالم المدينة التاريخية، خلق حالة من التوتر والقلق لدى أهالي المدينة، الذين يتساءلون اليوم عن مصير ما تبقى من معالمهم التراثية في ظل غياب أي ضوابط تحمي ذاكرة القامشلي من مقصلة "الاستثمار" الجائر.
