تشهد العاصمة السورية دمشق تسارعاً ملحوظاً في وتيرة حراكها الدبلوماسي، يعكس رغبة واضحة في إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية والدولية والانتقال نحو مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، محمد بن عبد العزيز الخليفي، إلى دمشق يوم السبت، لتشكل محطة بارزة في مسار الانفتاح العربي، حيث حظي الوفد القطري باستقبال رسمي رفيع المستوى شمل لقاءين منفصلين؛ الأول مع الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، والثاني مع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في قصر تشرين.
وقد ركزت هذه المباحثات المكثفة على سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتوسيع آفاق التعاون المشترك في قطاعات متنوعة، مع التركيز بشكل خاص على ملفات إعادة الإعمار، والاستجابة الإنسانية، وفرص الاستثمار المتاحة في مرحلة التعافي. وعقب هذه اللقاءات، وصف وزير الخارجية السوري العلاقة مع الدوحة بأنها نموذج للشراكة القائمة على الثقة والاحترام المتبادل التي تسهم في استقرار المنطقة، وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لزيارة قام بها الشيباني إلى قطر في الرابع من الشهر الجاري لتمهيد الطريق نحو هذا التعاون المأمول، والتي سبقتها أيضاً زيارة هامة إلى بيروت أسفرت عن اتفاق سوري لبناني لتشكيل لجنة وزارية مشتركة تعنى بملفات الأمن والاقتصاد والحدود.
هذا الانفتاح العربي المتسارع لم يكن ليمر دون أن يتقاطع مع تحول استراتيجي أكبر على الساحة الدولية؛ إذ جاء الحراك القطري في دمشق بعد أيام قليلة من قمة تاريخية جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأمريكي دونالد ترمب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة. هذا اللقاء أسفر عن خطوة أمريكية مفاجئة تمثلت في إعلان الرئيس ترمب بدء إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار أُبلغ به الكونغرس رسمياً ليدخل حيز المراجعة القانونية.
ولم يتأخر الصدى الإيجابي لهذا التحول الدولي في المنظومة الخليجية، حيث سارع مجلس التعاون الخليجي إلى الترحيب بالخطوة الأمريكية. وأكد الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي، أن قرار رفع التصنيف يشكل دعماً أساسياً لاستقرار سوريا وأمنها، ومعبراً عن تطلعه بأن يكون هذا القرار دافعاً لتعزيز التعاون الدولي مع دمشق بما يعيد لها مكانتها الإقليمية ويحقق تطلعات شعبها في التنمية والازدهار، مع تجديد موقف المجلس الثابت في دعم وحدة سوريا وسيادتها.
إن التزامن بين زيارة الوفد القطري لدمشق والترحيب الخليجي الواسع بالقرار الأمريكي يظهر بوضوح أن سوريا تبحر اليوم في أجواء سياسية مختلفة، حيث تتكامل المساعي العربية لتعزيز الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار مع الرغبة الدولية في طي صفحة الماضي، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تغير خارطة التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة بأسرها.
