البرلمان السوري "ما بعد الأسد" يبدأ أولى خطواته بلا تصفيق ولا شعارات


في خطوة حملت أبعاداً رمزية وسياسية عميقة، افتتح مجلس الشعب السوري الجديد دورته التشريعية الأولى في العاصمة دمشق، ليكون أول برلمان في البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد، وسط أجواء خيم عليها الهدوء بعيداً عن صخب المظاهر التي اعتادها السوريون لعقود. ومع توافد الأعضاء البالغ عددهم 206 من أصل 210، غابت الطقوس التقليدية التي كانت تسيطر على جلسات البرلمان السابق، فلم يكن هناك تصفيق طويل أو هتافات تمجيد أو شعارات رنانة، بل مشهد اتسم بالرصانة والتركيز على العمل المؤسسي.


بدأت الجلسة بحضور الرئيس أحمد الشرع ورئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد، حيث أدى الأعضاء اليمين الدستورية بشكل جماعي، قبل أن يتولى النائب أسامة العساف رئاسة الجلسة بصفته أكبر الأعضاء سناً، وذلك تطبيقاً للإعلان الدستوري. وقد أسفرت العملية الانتخابية التي جرت بالاقتراع السري عن انتخاب الأكاديمي المتخصص في القانون الدستوري عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس، كما تم انتخاب مصطفى موسى ومادونا بشارة نائبين له، في تكوين يعكس رغبة في ضخ دماء جديدة ذات خلفيات قانونية وأكاديمية في مفاصل الدولة.


وعلى هامش الجلسة، بدت ملامح التنوع المجتمعي السوري واضحة في قبة البرلمان، حيث برز حضور نسائي لافت بلغ نحو 10% من إجمالي الأعضاء، في مشهد تجاوز الرمزية إلى التنوع في الخلفيات والأزياء، بدءاً من النائبة الكردية فصلة يوسف التي حضرت بزيها التقليدي، وصولاً إلى حضور سيدة منقبة، وهو ما اعتبره كثير من السوريين على منصات التواصل الاجتماعي مؤشراً على مرحلة جديدة تعترف بتعددية المجتمع السوري بعد سنوات طويلة من القمع والنمطية.


وفي كلمته أمام المجلس، دعا الرئيس أحمد الشرع الأعضاء إلى جعل هذه المؤسسة نموذجاً في الكفاءة والمسؤولية، مشدداً على ضرورة ترسيخ ثقافة الحوار وسيادة القانون، بعيداً عن ثقافة الولاء الفردي. هذا التوجه لاقى صدى واسعاً لدى الشارع السوري الذي يأمل في أن يكون المجلس صوتاً حقيقياً يتبنى قضايا العدالة الانتقالية، ومراجعة القوانين والمراسيم السابقة، والعمل على صياغة دستور عصري يضمن حقوق الجميع، في وقت تظل فيه الأنظار متجهة نحو قدرة هذا المجلس على إدارة المرحلة الانتقالية ورسم ملامح النظام السياسي المقبل.


بينما يستعد المجلس لمباشرة مهامه، تبقى التحديات كبيرة أمام الأعضاء الذين تتنوع أولوياتهم ما بين تحسين الخدمات الأساسية، وإعادة هيكلة النظام التعليمي، ومعالجة ملفات العدالة الانتقالية. إن غياب المظاهر الاستعراضية في الجلسة الأولى لم يكن مجرد حدث شكلي بالنسبة للسوريين، بل كان رسالة سياسية مفادها أن سوريا الجديدة تسعى لطي صفحة الماضي وبدء عهد مؤسسي يقوم على المشاركة وتبادل الآراء، وهي بداية يراقبها المواطنون بترقب ممزوج بالأمل في أن تتحول هذه الوعود إلى واقع يلمسه الجميع في حياتهم اليومية.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال