يجد المشهد العسكري في الشرق الأوسط نفسه أمام منعطف جديد، مع تزايد الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترمب على إسرائيل، في محاولة لإعادة رسم موازين القوى على حدودها الشمالية. وفي هذا السياق، كشفت تقارير حديثة عن طلب مباشر وجهه ترمب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببدء انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، مع حثّه على اتخاذ خطوات مماثلة لإنهاء الوجود العسكري في جنوب لبنان، مبرراً ذلك بأن استمرار هذا الوجود يغذي التوترات ويخلق فرصاً لتصعيد إقليمي غير مسبوق، وبأن الأطراف المعنية، وتحديداً السوريين، باتوا يرفضون هذا الحضور العسكري بشكل قاطع.
وتأتي هذه التحركات الأميركية في وقت لا تزال فيه الميدان يفرض منطقه الخاص، حيث تشهد محافظتا درعا والقنيطرة في جنوب سوريا توغلات إسرائيلية شبه يومية، تخللتها في الأيام الأخيرة عمليات فتح طرق وإزالة سواتر حجرية وضعها الأهالي لمحاولة عرقلة تقدم الآليات، وسط تنديد رسمي سوري يصف هذه الإجراءات بالباطلة والمخالفة للقانون الدولي. وفي الجبهة اللبنانية، لا تبدو الصورة أكثر استقراراً، إذ وعلى الرغم من وجود اتفاق إطاري وقعه الطرفان قبل أسابيع لانسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق تجريبية، إلا أن التنفيذ لا يزال معلقاً في ظل إصرار إسرائيلي على التحقق من خلو هذه المناطق من أي بنى عسكرية أو أسلحة تابعة لحزب الله.
من جهة أخرى، يرى المراقبون أن المقاربة الإسرائيلية للوجود العسكري تتجاوز مجرد التكتيكات اليومية لتصل إلى عمق استراتيجيتها التي تبلورت بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. فمن داخل المواقع التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، مثل قلعة الشقيف في جنوب لبنان، تتبنى المؤسسة العسكرية تصوراً يقوم على إقامة "مناطق عازلة" دائمة، معتبرة أن هذا الانتشار يمثل "واجباً أمنياً" لصد التهديدات التي تراها قادمة من إيران وحلفائها، بل وتوسع نظرتها لتشمل المحور الناشئ بقيادة تركيا، والذي تضعه إسرائيل في خانة القلق الاستراتيجي. هذا التباين في الرؤى بين الإدارة الأميركية التي تدفع نحو التهدئة، وبين المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي تتمسك بمنطق القوة والمناطق العازلة، يضع المنطقة أمام حالة من عدم اليقين، خاصة مع تصاعد الرفض الشعبي في الجنوب السوري لهذا الوجود، ومع تزايد الشكوك حول إمكانية صمود وقف إطلاق النار في لبنان على المدى الطويل في ظل غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف.
بينما تحاول واشنطن دفع عجلة الدبلوماسية عبر ممارسة ضغوط على حليفها الاستراتيجي لخفض التصعيد، يظل الميدان محكوماً بمنطق "المناطق العازلة" الذي تتبناه إسرائيل كدرع أمني لا يقبل المساومة. وبين طموح الإدارة الأميركية في التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة تنهي حالة التوتر المستمرة، وتصميم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على المضي قدماً في سياسة فرض الأمر الواقع، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع المفتوح على كافة الاحتمالات، حيث لم تعد الدبلوماسية وحدها كافية لردم الهوة بين استراتيجيات القوى الفاعلة، وسط حالة من الترقب والقلق الشعبي في دول الجوار التي باتت تدفع فاتورة هذا التشابك الأمني المعقد.
