في مشهدٍ يعكس تحولاً جذرياً في الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة، تشهد العلاقات السورية-السعودية حراكاً دبلوماسياً لافتاً يتزامن مع تدفق استثمارات خليجية كبرى إلى الأسواق السورية. ومع وصول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اليوم الأربعاء إلى الرياض في زيارة رسمية تهدف لتعزيز التعاون الثنائي، تترسخ ملامح مرحلة جديدة لم تعد فيها الدبلوماسية منفصلة عن طموحات التنمية وإعادة الإعمار.
هذا الحراك الدبلوماسي المكثف بين دمشق والرياض، والذي توج بلقاءات سابقة جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لم يعد يقتصر على الملفات السياسية والإقليمية، بل امتد ليشمل تنسيقاً اقتصادياً عميقاً. فبعد اجتماعات الطاولة المستديرة السورية-السعودية التي ضمت وفوداً وزارية من الجانبين لبحث شراكات استراتيجية، باتت الأجواء مهيأة لانطلاقة اقتصادية غير مسبوقة، مستفيدة من مناخ إقليمي ودولي أكثر انفتاحاً على دمشق.
وفي تجسيد عملي لهذا التحول، أعلن رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس شركتي "إعمار العقارية" و"إيجل هيلز"، عن اعتزامه تنفيذ مشاريع عقارية ضخمة في سوريا بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار. هذه الاستثمارات التي ستتركز في العاصمة دمشق ومدينة اللاذقية، ستشكل حجر الزاوية في مشهد عمراني جديد يضم آلاف الوحدات السكنية والمنتجعات والمرافق الخدمية، في خطوة يعول عليها الكثيرون لإعادة إحياء القطاعات السياحية والزراعية والصناعية التي تمتلك فيها سوريا إمكانيات واعدة.
واللافت أن هذه المشاريع لن تكون مجرد استثمار أجنبي تقليدي، بل تهدف إلى بناء شراكات محلية تضمن مشاركة السوريين في عوائد التنمية، حيث يسعى العبار لتأسيس شركة مشتركة تضم الحكومة السورية ومستثمرين خليجيين ومواطنين سوريين، مما يعكس حرصاً على استدامة هذه المشاريع وقبولها الشعبي.
ويأتي هذا التطور الاقتصادي والسياسي في ظل تحولات دولية مفصلية، على رأسها قرارات واشنطن المتعلقة برفع العقوبات عن سوريا وإزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما كان بمثابة الضوء الأخضر الذي شجع رؤوس الأموال الإقليمية، لا سيما السعودية والقطرية والإماراتية، على اقتناص فرص استثمارية في البنية التحتية والموانئ والمطارات. ومع اللقاءات رفيعة المستوى التي جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تبدو سوريا اليوم وكأنها تفتح صفحة جديدة من علاقاتها مع العالم، محولةً سنوات العزلة إلى ماضٍ بعيد، وواضعةً قدمها على طريق التعافي الاقتصادي بإسناد من أشقائها وحلفائها في المنطقة.
