العدالة الانتقالية ترسم معالم سوريا الجديدة برعاية دولية


تشهد الساحة السورية تحركات متسارعة ومكثفة على الصعيدين المحلي والدولي لترسيخ معالم المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة، حيث تتجه الأنظار نحو تفعيل مسار العدالة الانتقالية وكشف مصير المفقودين كمقدمة لا غنى عنها لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وصيانة سيادة القانون.


وفي هذا السياق، حظيت الخطوات الأخيرة للحكومة السورية بإشادات دولية واسعة؛ إذ أعرب المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، عن ترحيبه بمضي السلطات في محاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات والفظائع خلال أحداث السويداء أمام محكمة الجنايات العسكرية بدمشق. واعتبر باراك أن هذه الخطوة تُعد حجر الأساس لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة وتعزيز إعادة توحيد البلاد، مشيراً إلى أن مستقبل السويداء يكمن في دولة موحدة وذات سيادة يكون الدروز فيها جزءاً أصيلاً ينعم بالسلام، وهو ما ينسجم مع خريطة الطريق المعتمدة منذ أيلول 2025 بين سوريا والولايات المتحدة والأردن لإعادة دمج المحافظة بالكامل.


وعلى صعيد الحراك الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي، رحبت فرنسا بتشكيل مجلس الشعب السوري وبمشروع قانون العدالة الانتقالية. وأكد المندوب الفرنسي الدائم لدى مجلس الأمن أن مكافحة الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا وتعويضهم هي شروط أساسية لبناء السلام واستعادة العدالة، داعياً إلى تعزيز التعاون مع الآليات الأممية والمؤسسات المستقلة المعنية بملف المفقودين. ومن جانبه، أوضح مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن البلاد تمضي بثبات في تنفيذ مسار العدالة بالتوازي مع استكمال بناء المؤسسات، مشيراً إلى أن مجلس الشعب الجديد يضم أطيافاً واسعة تعكس تنوع المجتمع السوري، بدءاً من المنشقين والناجين من السجون وذوي الضحايا، وصولاً إلى المغتربين والمهنيين، متوجاً ذلك بتشكيل المحكمة الدستورية العليا بمشاركة نسائية بارزة.


ولم تقتصر الجهود على الجانب التشريعي، بل امتدت لتشمل خطوات عملية على الأرض؛ حيث أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، خلال جلسة لمجلس الأمن، أن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل يقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر. وتستعد الهيئة لتجهيز منظومة للأمن الرقمي والأرشيف، وبناء سجل وطني للضحايا، إلى جانب إعداد مسودة قانون خاص بالعدالة الانتقالية بالاستفادة من التجارب الدولية. وفي الإطار ذاته، كشف رئيس اللجنة الوطنية السورية للمفقودين، محمد رضا جلخي، عن الاستجابة لأكثر من 170 بلاغاً حول مواقع يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها، بالتوازي مع توقيع إعلان مبادئ للتعاون مع جهات دولية متخصصة.


من جهته، أشاد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، خلال اجتماع لمجلس الأمن بصيغة "أريا" نُظم برعاية مشتركة شملت كولومبيا والدنمارك ولوكسمبورغ وسوريا، بالخطوات المؤسسية المتخذة لوضع أسس مستقبل سلمي. وشدد تورك على ضرورة أن تظل حقوق واحتياجات الضحايا وأسر المفقودين في صلب عملية الانتقال. وتأتي هذه التطورات المتلاحقة امتداداً للقرارات الصادرة منذ مايو 2025 بتشكيل الهيئات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، لتؤكد أن سوريا تضع اليوم اللبنات الأولى لمستقبل يتجاوز آلام الماضي عبر بوابة العدالة وتثبيت دعائم القانون.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال