تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تحولات ميدانية وخدمية متسارعة، ترسم في مجموعها ملامح مرحلة جديدة تتداخل فيها المساعي الحكومية لبسط نفوذ الدولة وإعادة تفعيل مؤسساتها مع ضغوط عشائرية متصاعدة في الميدان. ففي الوقت الذي تعود فيه شريان الحياة المتمثل بالمياه إلى آلاف المنازل، وتتسع فيه خطوات دمج المؤسسات التعليمية والقضائية، ترتفع أصوات أبناء العشائر المطالبة باستكمال هذه الخطوات وتعميمها على كامل أرجاء المحافظة تنفيذاً للاتفاقيات المبرمة.
فعلى الصعيد الخدمي والإداري، خطت الحكومة السورية خطوات بارزة نُظر إليها كبداية لاستعادة الخدمات الأساسية وتوحيد البنية التحتية والمؤسساتية. ولعل أبرز هذه التطورات تمثل في إعلان وزير الطاقة، محمد البشير، عن استئناف ضخ المياه رسمياً من محطة علوك الواقعة في ريف رأس العين، بعد توقف قسري استمر لأكثر من سبع سنوات وألقى بتبعاته الجسيمة على الحياة اليومية للمواطنين. وبحضور وفد حكومي ورئاسي رفيع ضم محافظ الحسكة نور الدين أحمد، ومدير الشؤون السياسية عباس حسين، دخلت المحطة الخدمة بمرحلتها الأولى عبر تشغيل 19 بئراً من أصل 34، بهدف تأمين مياه الشرب لنحو نصف مليون نسمة في مدينة الحسكة وريفها وناحية الهول. وجاء هذا الافتتاح بعد جهود صيانة وتأهيل شاقة استمرت تسعة أشهر ونفذتها كوادر مؤسسة المياه بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة "اليونيسف"، تخللتها عمليات تشغيل وضخ تجريبي للتأكد من جاهزية الشبكات وفحص سلامة المياه قبل اعتمادها للشرب بشكل نهائي.
ولم تقتصر هذه التحركات على الجانب الخدمي، بل امتدت لتشمل المنظومة التعليمية والإدارية في المحافظة؛ حيث أجرى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، زيارة تفقدية إلى جامعة "روج آفا" في مدينة القامشلي لبحث آليات دمجها مع جامعة الفرات وإعادة توحيد قطاع التعليم العالي. وتزامنت هذه الزيارة مع إجراءات أخرى أعلن عنها المحافظ، شملت دمج قضاة من الإدارة الذاتية ضمن المنظومة القضائية الرسمية، وإعادة تشغيل فروع المصرف الزراعي لصرف مستحقات مزارعي القمح، فضلاً عن تعيين إدارات جديدة للمؤسسات العامة، في مؤشر واضح على الرغبة في تسريع عملية إعادة دمج مؤسسات المحافظة ضمن هيكلية الدولة.
لكن هذا المسار الخدمي والإداري يسير بالتوازي مع حراك شعبي وعشائري واسع على الأرض، يعكس حالة من الاستعجال والضغط الميداني لتسريع بسط سيادة الدولة بالكامل. فقد شهدت بلدة "تل حميس" بريف الحسكة الشرقي توافد أعداد كبيرة من أبناء العشائر العربية لتأسيس ما يُعرف بـ "خيمة الحرب"، وهي عرف عشائري يرمز لإعلان النفير العام وإدارة الأزمات الطارئة. واستجابة لهذه التطورات، وصل وفد حكومي يترأسه رئيس الهيئة السياسية في الحسكة، عباس الحسين، إلى موقع الخيمة لاستماع المطالب واحتواء التوتر، حيث طالب ممثلو العشائر بضرورة بسط سيادة الدولة على كامل المحافظة، واستعادة القرى والأحياء في الحسكة والقامشلي والقحطانية والجوادية، وتأمين عودة المهجرين وإطلاق سراح المعتقلين، مستندين في مطالبهم إلى اتفاق الدمج الموقّع بين الحكومة السورية و"قسد" في 29 كانون الثاني 2026.
ولم تقف هذه الوقفات والتحركات العشائرية عند حدود تل حميس، بل امتدت لتشمل بلدات أخرى مثل تل براك والميلبية والشدادي ومركدة، وسط معلومات عن تحرك مجموعات عشائرية أخرى من دير الزور لدعم خيمة حرب أقيمت جنوبي الحسكة. وبذلك، تقف محافظة الحسكة اليوم عند مفصل تاريخي يتجاذب فيه أمل الاستقرار المتمثل بعودة المياه والخدمات والمؤسسات، مع حذر الميدان ومتطلبات الشارع العشائري الداعي إلى إنجاز عملية الدمج الشاملة وترسيخ الأمن في كل شبر من المحافظة.
