في خطوة تحمل دلالات سياسية وإنسانية عميقة، شهدت العاصمة السورية دمشق حدثاً استثنائياً تمثل في زيارة رسمية أجراها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لتكون الأولى لأعلى مسؤول أممي إلى البلاد منذ عام 2009. وتأتي هذه الزيارة الاستثنائية، التي جاءت بدعوة رسمية من الحكومة السورية عقب التطورات الأخيرة وسقوط النظام السابق، لتعلن صراحةً انتقال سوريا إلى موقع الشريك الفاعل للمنظمة الدولية، ولتؤكد التزام المجتمع الدولي بالوقوف إلى جانب الشعب السوري في هذه اللحظة المفصلية من تاريخه.
خلال الزيارة، أجرى الأمين العام سلسلة من المباحثات المكثفة رفيعة المستوى في قصر الشعب وقصر تشرين، شملت لقاءً مع الرئيس أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، إلى جانب عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين بملفات الطوارئ، والشؤون الاجتماعية، والمالية. وتركزت النقاشات على سبل تعزيز التعاون بين دمشق والأمم المتحدة، والانتقال بالمساعدات من إطار الاستجابة الإنسانية الطارئة - التي لا تغطي حالياً سوى نحو 20 بالمئة من الاحتياجات - إلى مرحلة التعافي المبكر، والتنمية المستدامة، وإعادة الإعمار. وشهدت المباحثات تأكيداً أممياً على صمود مرونة الشعب السوري قدرته الاستثنائية على الإبداع تجاوز آلام سنوات الحرب.
ولم تغب الملفات الحقوقية والإنسانية عن جدول أعمال الزيارة؛ فقد عقد غوتيريش اجتماعات مع الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حيث أُكد على ضرورة وضع عائلات المفقودين في صميم جميع الجهود الرامية لكشف مصير ذويهم، الحفاظ على القيادة الوطنية لهذا الملف الإنساني الحساس. كما حرص غوتيريش على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. وفي لفتة وجدانية بارزة، زار الأمين العام سجن صيدنايا مشيراً إلى شعوره بـ"الرعب" إزاء ما شاهده من آثار الانتهاكات التي تعرض لها السوريون سابقاً، وفي الوقت ذاته أشاد بالشجاعة والتقدم المحرز نحو المستقبل.
على الصعيد الميداني والسياسي، استعرض الأمين العام مع المسؤولين ومحافظ القنيطرة التطورات في الجنوب السوري، قبل أن يقوم بجولة إلى مقر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف" في المنطقة العازلة بالجولان المحتل. وجدد غوتيريش موقف الأمم المتحدة الثابت والمطالب بوقف الانتهاكات الإسرائيلية والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مؤكداً أن الجولان أرض سورية، وأن المنظمة الأممية تتمسك بسيادة سوريا ووحدة أراضيها وتستعد لتقديم تقرير مفصل حول هذه الانتهاكات إلى مجلس الأمن الدولي.
واختتم غوتيريش زيارته، التي تخللتها جولة في أزقة دمشق القديمة والجامع الأموي برفقة مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، بتوجيه نداء عاجل إلى المجتمع الدولي والشركاء الدوليين. وأكد أن تعافي سوريا وازدهارها يمثلان استثماراً مباشراً في السلام والاستقرار الإقليمي، داعياً المؤسسات المالية والدولية للعودة وضخ الاستثمارات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية وربط الاقتصاد السوري بمحيطه الإقليمي والدولي.
