في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة "الجزيرة"، رسم الرئيس السوري أحمد الشرع ملامح التوجهات السياسية والاقتصادية والأمنية لسوريا خلال المرحلة المقبلة، معلناً عن تحركات واسعة للعبور بالبلاد نحو مرحلة التعافي والاستقرار، ومعيداً رسم علاقات دمشق الإقليمية والدولية على أسس تقوم على المصلحة الوطنية وتوازن المصالح.
وعلى صعيد الصراع مع إسرائيل، كشف الرئيس الشرع خلال المقابلة عن عمل دمشق، بمشاركة عدد من الدول، على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، مؤكداً تجنب بلاده الانجرار إلى أي صدامات أو مواجهات عقيمة معها، ومشيراً إلى أن الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية شهدت تراجعاً ملموساً بفضل الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تبذلها سوريا. وأوضح الشرع أن نجاح الترتيبات والأطر الأمنية الجارية والتزام تل أبيب بها قد يفتح الطريق مستقبلاً أمام الانتقال إلى مرحلة "سلام شامل" وتسوية أوسع نطاقاً، مشدداً في الوقت ذاته بنبرة حازمة على أن هذا المسار لن يكون مطلقاً على حساب حق سوريا التاريخي والسيادي في استعادة كامل الجولان المحتل، ومعرباً عن رفض دمشق للانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري ومطالبتها بانسحاب قوات الاحتلال وإلغاء كافة تدابيرها الباطلة قانونياً. وفي سياق متصل بالقضية الفلسطينية، جدد الشرع دعم دمشق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة والتزامها بالمسار العربي والقرارات الدولية ذات الصلة، مذكرأ بتصويت سوريا لصالح المبادرة السعودية الفرنسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وفي الملف اللبناني الذي حظي باهتمام واسع، حسم الرئيس السوري الموقف بنفي أي نية لبلاده للقيام بتدخل عسكري في لبنان، مشيراً إلى أن أولوية سوريا الحالية هي التنمية وإعادة الإعمار وفتح قنوات تعاون اقتصادية مع بيروت، ومؤكداً أن دور دمشق يقتصر على ضبط الحدود والمعابر لمنع تهريب السلاح. وحذر الشرع من أن أي فوضى أو انفجار للأوضاع في لبنان ستنعكس آثاره سلباً وبشكل مباشر على سوريا والمنطقة، موضحاً أن معالجة الأزمة اللبنانية لا تقتصر على المقاربة الأمنية بل تتطلب حلاً شاملاً. وأعلن الرئيس السوري دعمه الكامل لحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، مشيراً إلى أن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة يترك مخاطر جسيمة، ومتطرقاً إلى مشاركة "حزب الله" إلى جانب النظام المخلوع في الحرب على السوريين طوال 14 عاماً وما نتج عنها من قتل وتهجير، لافتاً إلى أن سوريا تملك أوراقاً يمكن تقديمها للدولة اللبنانية للتعامل مع هذا الملف بما تراه مناسباً. وقد جاءت تصريحات الشرع لتضع حداً للرسائل المتضاربة الصادرة من واشنطن، ولا سيما تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول دور سوري محتمل للتعامل مع ملف سلاح حزب الله، في حين تقاطعت مواقف الشرع مع تأكيدات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي تشجع إدارته دمشق على التركيز على أزماتها الداخلية.
أما على صعيد العلاقات الدولية والشراكات الاقتصادية، فقد أعلن الرئيس الشرع عن مشاريع استراتيجية قيد النقاش مع الولايات المتحدة في قطاع الطاقة، تتضمن إعادة ربط خط أنابيب النفط بمصفاة بانياس، وإنشاء محطات تكرير، وتطوير شبكة أنابيب داخلية وربطها بمدينة طرابلس اللبنانية لتنشيط الاقتصادين السوري واللبناني. وفيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، شدد الشرع على أن رفع العقوبات لن يحقق جدواه الكاملة ولا نتائجه المرجوة ما لم يُتبع بإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وهو الملف الذي شهد تحركاً بارزاً إثر لقاء الشرع بالرئيس ترمب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة، حيث أبلغ ترمب المؤتمر بقراره إلغاء هذا التصنيف وبدء فترة المراجعة لدى الكونغرس لمدة 45 يوماً لاستكماله رسمياً.
وعن العلاقات الإقليمية، وصف الشرع العلاقات السورية الخليجية بالاستراتيجية، مشيراً إلى أن سوريا ودول الخليج تشكل بيئة واحدة تفصلها الحدود، ومؤكداً بدء تدفق الاستثمارات الخليجية إلى البلاد وحرص الحكومة على توفير البيئة الإدارية الناجحة لها. وعن العلاقة مع العراق، أكد أنها تشهد تحسناً وتستند إلى مصالح اقتصادية واعدة، معرباً في الوقت نفسه عن مخاوف دمشق من انتشار فصائل عراقية غير منضبطة بالكامل على الحدود، ومحذراً من خطورة سياسات دعم الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة. كما انتقد أطماع بعض قيادات الحرس الثوري الإيراني، مشدداً على ضرورة أن تمتلك المنطقة قرارها المستقل وألا تُجبر على الاختيار بين السياسات الإيرانية أو الإسرائيلية. وعلى صعيد العلاقة مع موسكو، أوضح الشرع أن سوريا وروسيا ترتبطان بعلاقات تاريخية ومصالح كبرى، وأن الجانب الروسي سارع لفتح صفحة جديدة عقب التغيير السياسي، مؤكداً استمرار العمل لتصحيح مسار العلاقات والمباحثات المتعلقة بمستقبل القواعد العسكرية الروسية.
وداخلياً، سلط الرئيس السوري الضوء على جهود الحكومة لتجاوز تركة النظام المخلوع الذي همّش مناطق واسعة كالملف الشرقي الغني بالثروات النفطية والزراعية، معلناً عن البدء بإنشاء طريق جديد يربط دمشق بدير الزور، ومتطرقاً إلى حادث التصادم المؤسف على هذا الطريق والذي ترجح التحقيقات الأوّلية أنه حادث عرضي. وفي ملف الاتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، أقر الشرع بوجود بطء في آليات التنفيذ، لكنه أكد استمرار رهان الحكومة على إنجاحه واستكماله، بالتوازي مع التقدم الحاصل في دمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن الدولة. وفي ملف المفقودين والعدالة الانتقالية، أعلن الشرع عن تشكيل لجنة خاصة وفق المعايير الدولية وبالتعاون مع دول ذات خبرة متخصصة للتعامل مع هذا الملف الإنساني المعقد بحرفية تكفل كشف المصير وإنصاف الضحايا. واختتم الرئيس السوري حديثه بالتأكيد على أن الدولة هي "ولي الدم" والمخولة بإنفاذ القانون والحفاظ على السلم الأهلي، مشدداً على أن سوريا ماضية بثبات وبخطوات تدريجية عبر الدبلوماسية والإدارة المتوازنة نحو البناء والتنمية والاستقرار وإعادة الدمج الكامل في محيطها الإقليمي والدولي.
