تشهد محافظة الحسكة حركة دؤوبة تحاكي تحولاً إدارياً وخدمياً واسع النطاق، بعد مرور نحو سِتة أشهر على توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، حيث أعلن محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، الوصول إلى مرحلة متقدمة أُنجز خلالها نحو 70% من عملية دمج وتفعيل المؤسسات الرسمية. وتترجم هذه الخطوات الميدانية عودة تدرّجية لكوادر القطاعات الحيوية إلى مظلة الدولة؛ إذ اكتمل دمج نحو 20 ألف موظف في قطاع التربية والتعليم وتبوّؤوا مواقعهم مع بدء صرف رواتبهم، إضافة إلى دمج ألفَي موظف في القطاع الصحي و700 موظف في مديرية الكهرباء. وامتدت العمليات لتشمل تفعيل مديريات الزراعة، والتجارة الداخلية، والثقافة، والسياحة والآثار، والبريد، وفرع مصرف سوريا المركزي، إلى جانب الأحوال المدنية، في وقت تتواصل فيه الترتيبات الإدارية لتسمية رؤساء المدن والبلدات والمكاتب التنفيذية وتعيين مديري المناطق.
وعلى الصعيد السياسي والأمني، يؤكد التقدّم الميداني تسارع التفاهمات نحو إغلاق الملفات العالقة والوصول إلى المراحل الأخيرة من اتفاق الاندماج العسكري والأمني، وسط أنباء عن ترتيبات لإعلان رسمي يُنهي عمل الإدارة الذاتية وتشكيلاتها. وتتكامل هذه الخطوات مع مساعٍ حكومية لاستيعاب مختلف الشرائح، بدءاً من منح الجنسية وتثبيت الحقوق، وصولاً إلى دمج عناصر من "وحدات حماية المرأة" في قوى وزارة الداخلية وتأسيس أكاديمية أمنية متخصصة للنساء. وتستمر المحادثات الرسمية مع وزارة التعليم العالي بشأن مستقبل الجامعات بفرص إيجابية، بالتزامن مع التحضير لاستكمال دمج مديريات النقل والاتصالات والمالية وفروع المصارف خلال الفترة القريبة المقبلة.
ولا تتوقف الجهود عند حدود الأروقة الإدارية، بل تتعداها إلى الملف الإنساني المعقّد المتمثل في عودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم؛ حيث أثمرت الترتيبات عن تأمين عودة ثماني دفعات من النازحين من الحسكة إلى مدينة عفرين، بينما تقف ألغام الحرب حائلاً دون الاستكمال السريع لعودة أهالي مدينة رأس العين الموجودين في القامشلي والحسكة. وتواصل فرق الهندسة وكاسحات الألغام التابعة للجيش، منذ نحو خمسين يوماً، عمليات مسح وتطهير الشريط الممتد بين تل تمر ورأس العين لتأمينه بالكامل، تمهيداً لعودة نحو 12,500 عائلة تنتظر الضوء الأخضر للدخول بأمان إلى منازلها.
وفي سياق الخدمات الأساسية، قطعت المحافظة خطوة مفصلية مع بدء الضخ التجريبي لمياه محطة "علوك" الشرب بعد توقف استمر قرابة سبع سنوات. ورغم تشغيل المحطة بطاقة إنتاجية جزئية عبر تأهيل نحو نصف آبارها، إلا أن الأضرار البالغة التي لحقت بشبكة المياه داخل مدينة الحسكة -والتي تتجاوز نسبة تهالكها 70%- ما تزال تحول دون وصول المياه إلى جميع الأحياء بشكل استيعابي كامل نتيجة تسجيل عشرات الأعطال الرئيسية والكسور. وتكثف فرق الصيانة والضابطة المائية جهودها لإصلاح الأضرار وإزالة التعديات، بينما تبقى المياه الضخخة حالياً مخصصة للاستخدامات غير المباشرة حتى إشعار آخر، مع التطلع إلى حلول استراتيجية مستدامة تعتمد على مشروع جر مياه نهر دجلة مستقبلاً.
وعلى الصعيد الاقتصادي والزراعي، أنهت المحافظة موسم الحصاد على مساحة إجمالية تجاوزت 776 ألف هكتار، مع اقتراب كميات القمح الموردة إلى مراكز التسلم من حاجز المليون طن عبر 21 مركزاً فعالاً. ورغم هذا الإنتاج الوفير، سجلت مديرية الزراعة تضرر نحو 65 ألف دونم من المحاصيل جراء الحرائق الموسيمة، تركزت معظمها في مناطق أبو راسين والدرباسية وعامودا. ومع كون قوانين صندوق الكوارث الطبيعية لا تغطي حوادث المحاصيل، تتجه الجهود الرسمية نحو التنسيق مع المنظمات الدولية لإدراج المزارعين المتضررين ضمن أولويات برامج الدعم والتعويض، بالتوازي مع صرف الدفعات الأولى من مستحقات المزارعين المالية عبر المصرف الزراعي.
