ودّعت سوريا رسمياً عهد العملة القديمة التي ظلت لعقود طويلة تحصر الذاكرة اليومية للمواطنين في صور رموز النظام السابق، حيث يسعى السوريون للتخلص من بقايا حكم آل الأسد الذي امتد لأكثر من نصف قرن، وترك أثراً ثقيلاً على تفاصيل حياتهم واقتصادهم. وكانت هذه الأوراق النقدية تحمل في طياتها تاريخاً ممتداً؛ بدءاً من فئة الألف ليرة التي حملت صورة حافظ الأسد، وصولاً إلى فئة الألفين ليرة التي طُبعت عليها صورة بشار الأسد، قبل أن تنتهي حقبته في ديسمبر 2024 وتتدهور القيمة الشرائية للنقد بشكل غير مسبوق.
ومع انتهاء مهلة الاستبدال الرسمية في الثلاثين من يوليو الماضي، أعلن مصرف سوريا المركزي أن العملة القديمة فقدت قوتها الإبرائية، ولم تعد تتمتع بأي صلاحية قانونية للتداول أو تسوية المدفوعات والالتزامات المالية بكافة أشكالها. وجاء ذلك بعد تنفيذ خطة تدريجية لإحلال الإصدار النقدي الجديد سعت لإعادة هيكلة الكتلة النقدية، بحساب اعتمد استبدال كل مئة ليرة قديمة بليرة واحدة من العملة الجديدة. وقدر المصرف أن نسبة الاستبدال بلغت نحو 95% من إجمالي الكتلة النقدية المتداولة في الأسواق، مما عكس إقبالاً وتجاوباً واسعاً من الشارع والمؤسسات المالية، برغم التحديات الميدانية التي شهدتها بعض المحافظات من ازدحام على مراكز الاستبدال ونقص في الفئات الصغيرة.
وحسم المركزي الجدل حول شائعات التمديد، مؤكداً بدء المرحلة النهائية لسحب ما تبقى من الكتلة النقدية. ولتسهيل العملية وتدارك الازدحام، أتاح المصرف فترة استثنائية تمتد من الثاني وحتى السادس من أغسطس الجاري، تسمح للمواطنين بسحب وإيداع أوراقهم القديمة وحصولهم على مقابلها بالعملة الجديدة دون أي رسوم أو عمولات، وذلك عبر جميع المصارف العامة والخاصة وفروع البريد في المحافظات. أما بعد انتهاء هذه المهلة المؤقتة، فستستمر عمليات السحب لمدة خمس سنوات متواصلة، لكنها ستكون محصورة في مصرف سوريا المركزي بالعاصمة دمشق، ووفق آلية إلكترونية تتطلب تقديم الطلبات وحجز المواعيد المسبقة عبر الموقع الرسمي للمصرف، وبشرط ألا يقل العدد عن مئة ورقة نقدية من أي فئة ليتم تحويل قيمتها مباشرة إلى الحسابات المصرفية.
ولم تخلُ هذه المرحلة الانتقالية من استفسارات شرعية واقتصادية بين المواطنين حول طبيعة التعامل بالليرة القديمة خارج الأطر الرسمية؛ حيث أكد مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا أنه لا يجوز بيع أو مبادلة العملة القديمة بأقل أو أكثر من قيمتها الاسمية ما دام استبدالها ممكناً لدى المصارف الرسمية، مشدداً على أن مبادلتها بالتفاضل بين المواطنين يوقع في الربا كونها لا تزال تحتفظ بقيمتها عند الاستبدال لدى المركز. ويتطلع الشارع السوري والمؤسسات الاقتصادية اليوم إلى أن يسهم هذا الإصلاح النقدي والإصدار الجديد في تعزيز استقرار النقد الوطني، وإعادة الكفاءة لعمليات التداول، وتأمين احتياجات السوق بما يخدم متطلبات التعافي الاقتصادي في البلاد.
