تشهد الخريطة الاقتصادية والسياسية في سوريا تحولات جذرية وتتسارع خطى دمشق نحو إعادة بناء قطاع الطاقة وتثبيت حضورها الإقليمي، مستندة إلى انفراجة تدريجية في علاقاتها مع واشنطن بعد رفع العقوبات الشاملة وإلغاء قانون قيصر، وفي ظل ترتيبات حثيثة لإزالة اسمها نهائياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب. هذه التطورات لم تعد مجرد تفاهمات سياسية معلقة في الهواء، بل بدأت تترجم عملياً عبر صفقات ضخمة واستثمارات أجنبية تعيد رسم ممرات الطاقة في الشرق الأوسط.
في قلب هذه التحولات، تبرز المفاوضات النهائية بين العراق وسوريا لإعادة تأهيل خط أنابيب "حديثة-بانياس" التاريخي، والذي يُتوقع استكمال أعماله خلال مدة تراوح بين 30 شهراً وثلاثة أعوام. هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يربط النفط العراقي بالبحر المتوسط بطاقة استيعابية مستهدفة تصل إلى مليونين برميل يومياً، يمنح بغداد منافذ تصديرية غربية متنوعة تُقلل من اعتمادها على الممرات الحالية، بينما يضمن لدمشق إيرادات ضخمة من رسوم العبور والتخزين والخدمات المرفئية، فضلاً عن إمكانية تزويد مصفاة بانياس بالخام العراقي.
ولم تكن هذه الخطوة لترى النور لولا الحراك السياسي والاقتصادي الأخير، حيث جاءت المفاوضات تتويجاً لمذكرتي تفاهم وُقّعتا في الولايات المتحدة بمشاركة اائتلاف دولي تقوده شركة "شيفرون" الأمريكية إلى جانب شركات أخرى، في إشارة واضحة إلى عودة العمالقة الغربيين لإدارة وتطوير البنية التحتية للملف النفطي السوري. ويتزامن ذلك مع تسلم شركة "إتش كيه إن إنرجي" الأمريكية إدارة وحقل رميلان، وعودة "غولف ساندز" البريطانية للاستثمار في حقل دجلة، ومحادثات مع "توتال إنرجيز" و"كونوكو فيليبس" لتطوير إنتاج الغاز والتنقيب البحري، مما يعكس رغبة سورية ملحة في رفع إنتاجها من النفط من مستوياته الحالية البالغة نحو 110 آلاف برميل يومياً للوصول إلى هدف المليون برميل بحلول عام 2030.
لكن هذا الانفتاح الاقتصادي الغربي يأتي بثمن سياسي باهظ الدفع على حساب النفوذ الروسي في المنطقة. فمع اقتراب انتهاء مهلة الإخطار الرئاسي الأمريكي للكونغرس بشأن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كشفت التطورات عن مناقشات جادة بين واشنطن ودمشق أبدت فيها الأخيرة استعدادها لتقليص استيراد النفط الروسي بشكل كبير. ورغم أن الاعتماد على الشحنات الروسية - التي قفزت بنسبة 75% لتصل إلى 60 ألف برميل يومياً - كان خياراً اضطرارياً لغياب البدائل، فإن المسؤولين السوريين يربطون التخلي عن هذا الإمداد بفتح باب الشراكات مع موردين جدد وتأمين شبكة طاقة متنوعة فور رفع التصنيف الأمريكي.
الضغط الأمريكي لا يتوقف عند ملف استيراد الخام، بل يمتد ليشمل تقويض الشبكات الاقتصادية التي تعتمد عليها موسكو للحفاظ على حضورها، بالتوازي مع توجهات من الكونغرس لتقييم خيارات الحد من النفوذ العسكري الروسي وضمان إخلاء قواعده في طرطوس وحميميم. ومع التزام دمشق بضبط حدودها، وانضمامها للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، يبدو أن قطاع الطاقة قد أصبح ورقة المناورة الأساسية التي تعيد من خلالها سوريا تشكيل تحالفاتها الدولية، مستبدلة الدعم الروسي الاستثنائي بشراكات غربية وإقليمية طويلة الأمد.
