وصل جثمان الشاب محمد حسام الدين غميرة يوم الإثنين إلى منزله في مدينة الحفة بريف اللاذقية، تمهيداً لتشييعه بعد إعلان وفاته في مستشفى تشرين الجامعي. وكان غميرة قد أمضى أياماً في قسم العناية المشددة عقب تدهور حاد في حالته الصحية إثر توقيفه في قسم شرطة الحفة على خلفية ادعاء قضائي يتعلق بسرقة مبلغ مالي، وهي الحادثة التي أثارت تفاعلاً واسعاً ومطالبات شعبية وحقوقية لكشف ملابسات فترة احتجازه وتحديد المسؤوليات القانونية.
وتكتسب القضية تعقيداً طبياً بالنظر إلى وضع الفقيد الصحي؛ إذ أوضحت عائلته ومصادر محلية أنه مصاب بمرض "الناعور"، وهو اضطراب وراثي يؤثر في عملية تخثر الدم ويجعل النزيف أكثر خطورة على الحياة. وأكدت العائلة أن عناصر قسم الشرطة كانوا على علم بوضعه الصحي بعد إبلاغهم من زوجته وشقيقه أثناء احتجازه، مشيرة إلى أنه خرج من القسم بناءً على قرار قضائي بإطلاق سراحه وهو يعاني من نزيف داخلي ونزيف دماغي حاد، حيث توقف قلبه ثلاث مرات خلال محاولات الإنعاش قبل أن يفارق الحياة.
وفي إطار الإجراءات الرسمية، أصدر وزير الداخلية أنس خطاب الأمر الإداري رقم (471) القاضي بتشكيل لجنة تحقيق متخصصة ورفيعة المستوى برئاسة معاون الوزير للشؤون الشرطية، اللواء أحمد محمد لطوف، وعضوية مستشار الوزير للشؤون القانونية وحقوق الإنسان ومديري إدارات القضايا والمباحث الجنائية. وتتولى اللجنة مهام التحقيق التقني والقانوني الشامل لرفع تقريرها النهائي خلال مدة أقصاها 72 ساعة، تزامناً مع إعلان قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية توقيف سبعة أشخاص كانوا في النظارة وقت الحادثة لاستكمال التحريات.
وقدم وزير الداخلية تعازيه المباشرة لذوي الشاب، مشدداً عبر منصة "إكس" على أن أي مخالفة أو تجاوز يثبت ارتكابه من عناصر الوزارة سيواجه بحزم ومحاسبة قاطعة وفق القانون. وفي السياق ذاته، نعى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح الفقيد، مؤكداً متابعته للملف مع وزارة الداخلية ومتعهداً بألا تشهد المرحلة الحالية أي إفلات من العقاب، مشيراً إلى أن سوريا دولة قانون وعدالة تتأسس على صون كرامة المواطنين وحفظ إنسانيتهم.
من جانبهم، أجمع خبراء قانونيون وطبيون شرعيون على أن حسم القضية يتطلب تقريراً طبياً شرعياً دقيقاً يوثق آثار العنف ويحدد طبيعة النزيف وزمن حدوثه وعلاقته بالمرض المزمن، مؤكدين أن التوقيف إجراء إداري لجمع المعلومات ولا يشكل عقوبة. وشدد حقوقيون على أن القانون السوري، ولا سيما التشريعات المتعلقة بتجريم التعذيب والتزامات البلاد الدولية، ينص على تحويل أي تجاوزات جسدية إلى القضاء الجزائي المستقل، داعين إلى تعزيز آليات الرقابة داخل مراكز الاحتجاز وتوثيق جلسات التحقيق ضماناً للعدالة وسيادة القانون.
وتبقى قضية وفاة الشاب محمد غميرة اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية آليات الرقابة والمحاسبة داخل مراكز الاحتجاز، حيث يترقب الشارعُ والمؤسسات الحقوقية ما ستسفر عنه نتائج لجنة التحقيق الوزارية والتقرير الطبي الشرعي النهائي. وإن كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤولين الجنائيين أو الإداريين عن هذه الفاجعة لا يمثلان فقط إنصافاً لعائلة الضحية، بل يشكلان خطوة مفصلية نحو ترسيخ دولة القانون وتأكيد حرص المؤسسات الأمنية والقضائية على صون كرامة المواطنين وحماية حقوقهم.
