شهدت العاصمة الأردنية عمّان حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تجسّد في اجتماع محوري جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، برفقة وفد أمني رفيع ضم رئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية، بوفد إسرائيلي ترأسه مدير جهاز الموساد رومان غوفمان، وذلك في محاولة لاحتواء التداعيات الخطيرة الناجمة عن الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع نطاقاً.
الاجتماع الذي عقد برعاية ووساطة أميركية مباشرة، ركّز على وضع آليات تنفيذية عاجلة لخفض التصعيد ووقف الاعتداءات وعمليات الاعتقال، فضلاً عن بحث إنشاء غرفة عمليات مشتركة في الأردن تحت إشراف واشنطن، تهدف بالدرجة الأولى إلى منع وقوع أي مواجهات ميدانية مباشرة داخل الأراضي السورية، وتجنب جر تركيا إلى أتون هذا الصراع. وتأتي هذه الخطوة في وقت كشفت فيه المصادر السورية أن الأولويات الحالية تتركز على حث تل أبيب على الانسحاب إلى خطوط ما قبل الثامن من كانون الأول لعام 2024، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974 وتنفيذه بالكامل، مع إرجاء النقاش حول الوضع النهائي للجولان المحتل لكونه "سابقاً لأوانه" في المرحلة الراهنة.
في المقابل، كشفت المقابلة التي أجراها الشيباني مع وكالة "رويترز" عن كواليس الاتفاق الأمني المكتوب الذي جرى التوصل إلى معظم بنوده مطلع العام الجاري، والذي يحدد إنشاء عدة مناطق أمنية قرب الحدود، من بينها منطقة عازلة تقتصر فيها السيطرة على قوات الأمم المتحدة، وأخرى تنتشر فيها القوات السورية بأعداد محددة. إلا أن هذا المسار التفاوضي تعرض للجمود والتوقف المتعاقب نتيجة الحرب الإيرانية الإسرائيلية، ثم الغارات الأخيرة على المطار، حيث اتهم الشيباني تل أبيب بالتهرب من إتمام الاتفاق وغياب الإرادة الحقيقية لديهم لوقف التهديدات السورية، مؤكداً في الوقت ذاته أن سوريا تمسك بحقها السيادي الكامل في إعادة بناء جيشها الوطني وتحديد تحالفاتها وشراكاتها دون تقييد.
وعلى الصعيد الميداني والسياسي، أثارت الغارات الأربع التي استهدفت مدارج مطار أبو الظهور بقنابل ثقيلة تساؤلات عريضة حول الدوافع الإسرائيلية؛ فبينما بررت تل أبيب هجومها بالخوف من ترسيخ وجود عسكري تركي ونشر منظومات دفاعية متطورة، نفى السوريون والأتراك والجانب الأميركي صحة هذه الادعاءات. إذ أكد المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أن المعلومات الإسرائيلية بشأن النوايا التركية غير صحيحة واصفاً الغارات بالتصعيد غير الضروري. وعلى الخط نفسه، تسببت هذه الضربة في سجال داخلي إسرائيلي حاد، حيث اتهمت المعارضة وصحف عبرية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتصعيد لتحقيق مآرب سياسية انتخابية وتوتير العلاقة مع أنقرة بلا جدوى، في حين نفى مسؤولون في سلاح الجو الإسرائيلي أن يكون الجيش هو من ضغط باتجاه الهجوم، مؤكدين أن القرار كان سياسياً بامتياز، وسط حرص أمني إسرائيلي على عدم تحويل تركيا إلى عدو مباشر والإبقاء على قنوات الاتصال السرية مفتوحة بين الطرفين.
تضع هذه التطورات المنطقة أمام مرحلة اختبار حقيقية لمدى جدية المساعي الدبلوماسية؛ فبينما تحاول واشنطن فرض قواعد اشتباك جديدة تمنع الانفجار، تعكس المحادثات المعقدة في عمّان حجم الهشاشة التي تتسم بها التفاهمات الحالية. ويبقى نجاح أي اتفاق مرتهناً بمدى التزام تل أبيب بوقف اعتداءاتها والانسحاب الميداني، في مقابل إصرار دمشق على تثبيت حقوقها السيادية كاملة، وسط ظلال إقليمية متداخلة تجعل من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في الأيام القليلة القادمة.
