شهدت العلاقات الدولية تحولاً مفصلياً ينهي حقبة طويلة من العقوبات المشددة والعزلة السياسية والاقتصادية، حيث أعلنت الولايات المتحدة رسمياً رفع اسم سوريا من قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وهو التصنيف الذي فرض على البلاد منذ عام 1979 خلال إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وجاء هذا القرار حاسماً ونفذ بعد انقضاء مهلة المراجعة الإلزامية أمام الكونغرس البالغة 45 يوماً دون تعطيل، مستنداً إلى التفاهمات التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائهما في العاصمة التركية أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). بالتوازي مع هذه الخطوة، شطب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) من قائمة الكيانات المحظورة، وألغى تصنيفها كـ "منظمة إرهابية عالمية محددة"، مما أدى إلى إلغاء "الترخيص العام رقم 25" الخاص بسوريا لعدم الحاجة إليه، في إشارة إلى بدء مرحلة جديدة تهدف إلى إزالة العوائق القانونية والمالية وإفساد المناخ القديم المكبّل للاستثمارات.
وقد توالت التصريحات الرسمية من جانب الإدارة الأميركية للتأكيد على أن هذا القرار يهدف بالدرجة الأولى إلى دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومنح الشعب السوري فرصة حقيقية لبناء مستقبل أفضل. حيث أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس باراك أن هذه الخطوات جاءت تقديراً للإجراءات والالتزامات الملموسة التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع في مجال مكافحة الإرهاب، ولا سيما العمليات التي نفذتها ضد شبكات تنظيمَي "الدولة" و"القاعدة" والجهات المرتبطة بإيران. وأكد المسؤولون الأميركيون أن إزالة جدار التصنيف القانوني تشكل علامة فارقة تنقل سوريا من حالة العزلة إلى الشراكة، وتفتح المجال أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية وإعادة إدماج القطاع المالي السوري في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، أوضحت الخزانة الأميركية أن هذا القرار لا يعني رفعاً شاملاً لكافة القيود، إذ تظل هناك عقوبات مستهدفة تطال شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام المخلوع، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتهريب المخدرات، والتنظيمات المتطرفة.
وعلى الجانب السوري، قوبل القرار الأميركي بابتهاج وترحيب واسعين على المستويين القيادي والحكومي؛ إذ هنأ الرئيس السوري أحمد الشرع الشعب السوري بهذا الإنجاز الذي وصفه بـ "التاريخي"، موجهاً الشكر للرئيس ترمب ولكل الدول والشخصيات التي ساندت البلاد لإسقاط هذا التصنيف. ومن جانبها، اعتبرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية أن هذا التحول يفتح صفحة جديدة في علاقات دمشق الدولية ويدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن التصنيف لم يكن يوماً خياراً للشعب السوري ولا يليق بتاريخ البلاد، مشيراً إلى أن شطبه هو ثمرة التزام الدولة السورية الجديدة بالأمن والسلام الدوليين. كما أكد كل من وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان أن هذه الخطوة تمثل نجاحاً دبلوماسياً يمهد لربط القطاع المصرفي والمالي الوطني بالمنظومة المالية العالمية، وتسهيل جلب التقنيات والاستثمارات الحديثة لدعم الإصلاح المؤسسي الشامل.
ولم يقتصر الترحيب بهذه الخطوة على الداخل السوري والواشنطني، بل امتد ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية عدة رأت في القرار دعامة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي. فقد رحبت تركيا عبر وزارتها الخارجية وسفيرها لدى دمشق نوح يلماز بالقرار، معتبرين أنه أزال العقبة الكبرى أمام اندماج سوريا في المجتمع الدولي وتنميتها. كما هنأت وزارة الخارجية السعودية الحكومة والشعب السوريين، معربة عن دعم المملكة للخطوات الإيجابية التي تعزز أمن البلاد واستقرارها وتلبي تطلعات شعبها. ومن جانبه، أكد الأردن عبر وزارة خارجيته أهمية القرار لتعزيز مسار التعافي وإعادة البناء على أسس تحفظ سيادة سوريا ووحدتها، في حين أبدت أوكرانيا دعمها للخطوة متطلعة لفتح آفاق التعاون الاقتصادي. وبذلك، تشهد المنطقة بداية حقبة جديدة تسعى فيها سوريا لتجاوز مخلفات عقود من الحرب والعزلة، متجهة نحو الانفتاح الاقتصادي وتعزيز الشراكات الدولية.
