في خطوة صاغت مشهداً جديداً لم يكن أشد المتفائلين يتوقع سرعة تحقق سيناريوهاته، أُعلن رسمياً من قلب العاصمة دمشق عن طي صفحة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ككيان عسكري وإداري مستقل، لينتهي بذلك فصل امتد لنحو أحد عشر عاماً من الانقسام الجغرافي والمؤسساتي في الشمال الشرقي السوري. لم يكن هذا الإعلان المتلفز للعميد السابق مظلوم عبدي إلى جوار قيادات الدولة السورية مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان إعلاناً صريحاً عن بدء سريان معادلة السيادة الكاملة، واحتكار مؤسسات الدولة الرسمية للسلاح والقرار السياسي والعسكري في البلاد.
جاء هذا التحول التاريخي ليتوج مساراً تفاوضياً معقداً تخطى عقبات ميدانية وسياسية عديدة، مبحراً بين تفاصيل اتفاقات ماراثونية امتدت من مارس 2025 وصولاً إلى التفاهم التنفيذي الشامل في 29 يناير الماضي. وشكّل تسليم المقاليد الإدارية والمنشآت الحيوية في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وريف حلب حجر الزاوية في إعادة رسم الخارطة السورية؛ حيث عادت الحقول النفطية الاستراتيجية كرميلان والسويدية، والسدود، والمعابر الحدودية بالكامل إلى أحضان الخزينة العامة والشرعية الوطنية، بينما جرى الشروع عملياً في تسوية أوضاع آلاف العناصر والقيادات ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية، وتثبيت الكوادر المدنية في المؤسسات الحكومية وفق قوانين الدولة.
ولم تقف أبعاد هذا الحدث عند حدوده الجغرافية، بل أعادت صياغة الحقوق الوطنية ضمن فضاء دستوري جامع؛ إذ توجت الخطوة بقرارات وتدابير راسخة رعاها الرئيس أحمد الشرع، كفلت صون الهوية الثقافية والتعليم باللغة الأم للمواطنين الأكراد، باعتبارهم مكوناً أصيلاً لا يتجزأ من النسيج السوري المتعدد. هذا الانتقال المنظم من خنادق المواجهة المسلحة إلى ساحات البناء السياسي والمواطنة لقى ارتياحاً شعبياً واسعاً، واعتبره مراقبون الخيار الأجدى لحقن الدماء وترسيخ الاستقرار الدائم بعد سنوات من الإنهاك.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، توالت الإشادات بالحكمة والمسؤولية اللتين أظهرهما الطرفان للوصول إلى صيغة "جيش واحد ودولة واحدة". فقد رحبت عواصم عربية ودولية بارزة بالخطوة، معتبرة أن إنهاء صيغة الفصائل المستقلة وتوحيد القرار الأمني يمثلان الركيزة الأساسية لتعافي سوريا وتأكيد سيادتها. كما اعتبرت قوى إقليمية ودولية أن تحول هذا الملف الصعب إلى مسار وطني خالص يعزز فرص الأمن الإقليمي، ويكفل السيطرة الكاملة على ملفات الشأن الأمني والمكافحة المستمرة للإرهاب، محولاً حالة التباين السابقة إلى شراكة دائمة تحت مظلة الوطن.
اليوم، تفتح سوريا باباً جديداً لمستقبلها، تتراجع فيه لغة السلاح لصالح لغة المؤسسات والقانون. ومع استكمال التفاصيل التنفيذية لدمج باقي القطاعات الإدارية والخدمية خلال الأيام المقبلة، يثبت السوريون أن قدراتهم على صناعة السلام الداخلي وتجاوز جراح الماضي هي المحرك الأساسي لنشوء سوريا الجديدة؛ سوريا الموحدة لكل أبنائها، القوية بمؤسساتها، والمستقلة بقرارها وسيادتها على كامل أراضيها.
