دمشق تستعيد نبضها: رفع العقوبات وانفتاح دولي يمهدان لولادة "سوريا الجديدة"


في لحظة فارقة تختزل سنوات من الألم والركام، تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تعيد فيها رسم ملامح حضورها الإقليمي والدولي. ومن قلب قصر المؤتمرات، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع افتتاح فعاليات الدورة الـ 63 لمعرض دمشق الدولي تحت شعار "سوريا تشرق من جديد"، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز أبعاد الاقتصاد والتجارة لتلمس الذاكرة الوطنية السورية؛ باعتبار هذا الحدث نافذة تاريخية أطلت منها البلاد على العالم، ومنصة تجمع الدول والأسواق والمستثمرين لترسيخ عودة دمشق جسراً يربط بين الشرق والغرب.


ويعكس المعرض في نسخته الحالية حجماً لافتاً من الثقة الدولية والمحلية، إذ تشهد الفعاليات مشاركة نحو ألف جهة تنتمي لنحو 60 دولة، تتنوع بين شركات عربية ودولية وأجنحة وطنية، فضلاً عن حضور أكثر من 40 هيئة ووزارة سورية، ونحو 140 حرفياً يحيون التراث السوري. ولم تكن كلمة الرئيس الشرع مجرد مراسم افتتاحية، بل تأكيداً على أن المشاركة الواسعة تجسد ثقة العالم بالبلاد وشعبها، مشدداً على أن إزالة العوائق ورفع العقوبات يمثلان بداية الطريق لمسار طويل ومستدام من البناء والإعمار، يستعيد من خلاله الشعب إرادته وحريته لتطوى صفحة الفراق والركام.


هذا التحول على الأرض توازى مع حراك دبلوماسي مكثف في أروقة الأمم المتحدة، حيث شهدت جلسة مجلس الأمن الدولي ترحيباً واسعاً بالخطوات الإيجابية والتعافي الاقتصادي المتسارع. إذ اعتبر كلاوديو كوردوني، نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، أن وتيرة التعافي تشهد تسارعاً ملحوظاً بفضل الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لتعزيز الاستقرار. كما حظي القرار الأمريكي بإلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب بإشادة أممية ودولية واسعة، باعتباره خطوة تاريخية تفتح آفاق الاستثمار، وتهيئ الظروف لانتقال البلاد من مرحلة الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.


وفي هذا السياق، أكدت نائبة المندوب الأمريكي تامي بروس أن رفع القيود يدعم تعافي سوريا لبناء دولة مستقرة وموحدة، بينما وصف المندوب الفرنسي جيروم بونافون القرار بالخطوة الجيدة، مذكرات بزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى سوريا كدليل على رغبة بلاده في دعم المرحلة الجديدة والتكامل الإقليمي. من جانبه، أشار مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي إلى أن سوريا الجديدة تواصل عودتها المتدرجة إلى المجتمع الدولي، لافتاً إلى مؤشرات الميدان كعودة حركة الطيران واستقبال الوفود الاقتصادية، إلى جانب استكمال دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة وضمان حقوق وحريات جميع المكونات.


وعلى الرغم من المناخ الإيجابي والدعم الدولي الذي عبرت عنه دول عدة بينها روسيا والصين وباكستان، لا تزال التحديات الأمنية تلقي بظلالها على هذا المسار. فقد أجمعت المواقف الأممية والدولية على الاستنكار الشديد للتوغلات والضربات الإسرائيلية المستمرة داخل الأراضي السورية، معتبرين أنها تشكل انتهاكاً لسيادة البلاد ولاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتعرقل جهود الاستقرار. ومع ذلك، تشير معطيات الميدان والدبلوماسية إلى أن سوريا، بدعم دولي متزايد وحراك اقتصادي واعد، تخطو بثبات ونبض حي نحو كتابة الفصل الأول من حكايتها الجديدة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال