تتداخل الخطوات الاقتصادية الميدانية مع الانفراجات التقنية المرتقبة لتضع البلاد على أعتاب مرحلة إعادة بناء تدريجية، تجسدت أحدث ملامحها في اجتماع قصر الشعب بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس مجلس الأعمال السعودي السوري محمد أبو نيان والوفد المرافق له، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار. واستهدف الاجتماع وضع خطة عمل للمشاريع المنجزة وتلك القيد التنفيذ، للوصول إلى شراكة استثمارية أعمق بين الجانبين.
وتُرجمت هذا التفاهمات سريعاً على أرض الواقع عبر اتفاق بين مصرف سوريا المركزي ومجلس الأعمال السعودي السوري، خلال مباحثات أجراها حاكم المصرف صفوت رسلان مع الوفد السعودي بحضور رئيس المجلس من الجانب السوري هيثم جود، لتأسيس بنك سوري سعودي مشترك وفتح قنوات مالية مباشرة لتسهيل حركة رؤوس الأموال. كما وقعت وزارة الاتصالات اتفاقية مع وزارة النقل والخدمات اللوجستية السعودية لتطوير الخدمات البريدية ودعم التجارة الإلكترونية، لتتكامل هذه الخطوات مع مسارات الاستثمار الكبرى الصادرة سابقاً، والتي تشمل قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية، ومنها إدارة وتشغيل مطاري حلب عبر صندوق "إيلاف" الاستثماري.
وعلى خطى موازية، تثبت التطورات التقنية حظوظاً جديدة للبلاد، حيث أوضحت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات أن شطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يفتح باب التخلص من العزلة الرقمية التي امتدت لأربعة عقود ونصف. وأوضحت الوزارة أن عودة المنصات والخدمات العالمية تتطلب التدرج لمراجعة الشركات لسياساتها وأنظمة الامتثال لديها، بانتظار صدور الترتيبات التنظيمية من وزارة التجارة الأمريكية التي ترفع القيود عن تصدير التكنولوجيا، وتوفر أطراً قانونية واضحة لحماية البيانات والدفع الإلكتروني.
ولمواجهة التردي الحاد في سرعات الإنترنت المحتلة أدنى المراتب عالمياً، أعلنت الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد قطع شوط كبير في المفاوضات مع شركة "سبيس إكس" الأمريكية لإطلاق خدمة "ستارلينك" للإنترنت الفضائي خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وتنظر الهيئة إلى الخدمة الفضائية كحل إسعافي ومكمل، بينما يرتكز الرهان الأكبر على المشروعات الوطنية المستدامة مثل "سيلك لينك" للمسارات الدولية و"برق نت" لإيصال شبكات الألياف الضوئية مباشرة إلى المنازل والمؤسسات.
تفتح هذه التحركات المزدوجة بين تدفق الاستثمارات السعودية وتفكيك قيود العزلة الرقمية نافذة حقيقية لإعادة ترميم الاقتصاد السوري، وتضع القطاعات الخدمية والتكنولوجية أمام اختبار ميداني لبناء بيئة مشجعة للاستثمار وتطوير واقع حياة المواطنين اليومية.
