من قيادة الميدان إلى أروقة الرئاسة: كيف أعاد اتفاق الاندماج رسم خريطة المشهد السوري؟


خلال يومين خاطفين، طُويت صفحة من أعقد صفحات الحرب السورية وأكثرها تشابكاً. ففي الخامس والعشرين من أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب بدمشق إنهاء المهمة العسكرية المستقلة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وحل "الإدارة الذاتية" وكافة التشكيلات التابعة لها، تمهيداً لاندماجها الكامل في مؤسسات الدولة. ولم تكد تمضي ثمانٍ وأربعون ساعة حتى أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 164 لعام 2026، بتعيين مصطفى خليل عبدي—المعروف عسكرياً بمظلوم عبدي—مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، ليتوج ذلك مساراً تفاوضياً شاقاً استند إلى اتفاق التسوية الموقع في التاسع والعشرين من يناير من العام نفسه.


بهذا التعيين، يترجل عبدي عن صهوة قيادة القوة الأبرز في شمال شرقي سوريا، والتي أدارها لأكثر من عقد من الزمان. فالرجل المولود عام 1967 في عين العرب "كوباني"، والمهندس الخريج من جامعة حلب، تتعدد أسماؤه بتعدد محطات حياته بين "مصطفى عبدي" و"فرهاد شاهين" و"شاهين جيلو". وقد عرفت خريطته السياسية والعسكرية تقاطعات حادة؛ فمنذ انخراطه المبكر في الحركة الكردية وقربه من أوجلان، ثم عودته مع اندلاع الأزمة عام 2011 لتأسيس "وحدات حماية الشعب"، برز اسمه محلياً ودولياً خلال معركة كوباني الشرسة ضد تنظيم "داعش" بين عامي 2014 و2015. ومن رحم تلك المعركة، ولد التحالف الميداني الأبرز مع واشنطن عند تشكيل "قسد" في أكتوبر 2015، حيث قاد عبدي العمليات العسكرية التي انتهت بالسيطرة على الرقة ودير الزور والحسكة وإسقاط آخر معاقل التنظيم في الباغوز عام 2019، وصولاً إلى المشاركة في تعقب البغدادي.


غير أن هذا التحالف الوثيق مع واشنطن وضع عبدي وقواته في قلب معادلة إقليمية معقدة، إذ طالبت أنقرة مراراً بتوقيفه وتسليمه باعتباره مشمولاً بالنشرة الحمراء للإنتربول ومحسوباً على حزب العمال الكردستاني، بينما ظل عبدي يشدد على استقلالية تشكيله السوري. وعلى مر سنوات النزاع، أتقن عبدي لعبة التوازنات، موازناً بين التحالف مع أمريكا، وفتح قنوات الاتصال مع موسكو، وصولاً إلى التكيف مع موازين القوى الميدانية بعد سحب القوات الأمريكية جزئياً عام 2019. إلا أن التحول الدراماتيكي بسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 فرض واقعاً جديداً؛ إذ أصرت السلطة الجديدة في دمشق على بسط سيادة الدولة وحل الفصائل المسلحة، وتوالت الضغوط العسكرية والميدانية حتى أفضت في النهاية إلى تسوية مارس ثم اتفاق يناير 2026 الذي انتهى بدمج هذه القوات كلياً.


وعلى الأرض، تُرجمت ترتيبات الاندماج سريعاً ليشمل كافة مكونات "قسد" العسكرية والأمنية؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية على لسان متحدثها الرسمي نور الدين البابا الترحيب بضم عناصر "وحدات حماية المرأة" (YPJ)—وهي إحدى المكونات الرئيسية الضاربة ضمن منظومة "قسد"—إلى كوادرها للاستفادة من خبراتهن الأمنية والميدانية. وأكد البابا أن معالجة ملف الرتب العسكرية والرغبات المكانية لعمل العناصر ستخضع للترتيبات الإدارية والاحتياجات التنفيذية للوزارة في مختلف المحافظات، بعدما كانت الوحدات قد بحثت الاحتفاظ بخصوصيتها كقوة لمكافحة الإرهاب ضمن وزارة الداخلية في إطار اتفاق الاندماج.


ولم تكد تعلن دمشق هذه الخطوات حتى توالت ردود الفعل العربية والدولية المرحبة بإنهاء الوضع العسكري المنفصل ولَمّ شمل القوات تحت مظلة الدولة. فقد اعتبر العراق وإقليم كردستان العراق الاتفاق تطوراً مفصلياً يعزز أمن المنطقة وسوريا، بينما توالت بيانات التأييد من السعودية وقطر والأردن والكويت والبحرين. وعلى المستوى الدولي، رحبت واشنطن ولندن بإنهاء حل "قسد" والاندماج في المؤسسات الحكومية بالتوازي مع التأكيد على دعم سيادة البلاد وحدودها، فيما دعت هولندا وسويسرا والاتحاد الأوروبي إلى مواصلة تنفيذ كافة بنود الاندماج الشامل بما يضمن حقوق كافة المكونات السورية ويهيئ الظروف الملائمة لعودة اللاجئين ودعم السلم الأهلي.


إن انتقال مظلوم عبدي من خنادق المواجهة وقيادة الفصائل إلى مقاعد الاستشارة في قصر الشعب بدمشق، يمثل خلاصة مكثفة لتحولات الحرب السورية وصيرورتها. ورغم أن هذا المنصب الجديد يجرد عبدي من سلطته العسكرية المباشرة، إلا أنه يبقيه حاضراً في دائرة صنع القرار وممثلاً لقطاع واسع من الشارع الكردي، لتطوى بذلك صفحة السلاح المستقل وتبدأ مرحلة جديدة عنوانها العمل السياسي من داخل مؤسسات الدولة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال