دخلت سوريا مرحلة حاسمة في تعاطيها مع ملفات السلاح المعقدة، معلنةً عن تحول عملي يهدف لتفكيك تركة النظام المخلوع وسد ثغراتها السابقة، بعد سنوات شكلت فيها هذه الأنشطة مصدراً للقلق الإقليمي والدولي. وتأتي هذه التطورات عبر خطوات ميدانية ودبلوماسية متزامنة تشمل تدمير الذخائر الكيميائية والتعاون الفوري مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لطي صفحات العزلة واستعادة مكانة البلاد عبر الالتزام الكامل بالمعاهدات والمواثيق الدولية.
وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أعلنت سوريا عن انطلاق أول عملية لتدمير ذخائر ومواد كيميائية عُثر عليها في البلاد منذ سقوط النظام المخلوع، وهي الأولى من نوعها على الأراضي السورية منذ أكثر من عقد. وأوضح مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن العملية تتم بإشراف وإجراءات التحقق المعتمدة من الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بهدف منع وصول المخلفات إلى أيدي من قد يستخدمها وتقليص نطاق التهديد. وأكد علبي أن موقف دمشق من المساءلة لا يحتمل التنازل، حيث تعمل على عقد أولى المحاكمات في التاريخ لمستخدمي الأسلحة الكيميائية لمنع الإفلات من العقاب، مشيراً إلى أن هذا التعاون يعكس تحولاً سياسياً ونقطة عودة للمجتمع الدولي.
وفي المسار النووي، أعلنت دمشق أمام ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزامها بالشفافية عبر الإعلان الطوعي عن مواد نووية غير مصرح بها سابقاً وإخضاعها للضمانات الدولية. وشملت الإجراءات فتح موقع دير الزور أمام مفتشي الوكالة بعد إغلاق دام أكثر من 18 عاماً، والسماح بالاطلاع على موقع غير معلن يضم مواد نووية، مع المطالبة برفع بند عدم الامتثال وإغلاق الملف خلال أعمال مجلس المحافظين الحالي، مع التأكيد على حق البلاد في برنامج نووي سلمي. ولفت علبي في مجلس الأمن إلى المعوقات التي تفرضها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والتي تسببت في إعاقة البحث والتدمير، وإلغاء رحلات، وتعريض الطواقم والمواقع للخطر.
من جهتها، أكدت إيزومي ناكاميتسو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، أن الحكومة السورية الجديدة والمنظمة أنجزتا عملاً كبيراً للقضاء على بقايا البرنامج السابق، مشيرة إلى أن فرق المنظمة زارت مواقع مرتبطة بالبرنامج وعثرت على أسلحة كيميائية في موقعين بالقطيفة وحمص، مع تحقق المنظمة من قدرة سوريا على تدميرها والبدء في ذلك فعلياً. وعلى صعيد آخر، بيّن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن اليورانيوم المكتشف أصبح يخضع لضمانات الوكالة، وأن الحكومة السورية هي من ستحدد مصيره، مستذكراً محاولات النظام المخلوع السابق لإخفاء تلك الأنشطة.
وقد شهدت جلسة مجلس الأمن ترحيباً دولياً واسعاً بهذه الخطوات؛ حيث أشادت مندوبة الولايات المتحدة بالحزم السوري والتنسيق مع المنظمة، ورحب المندوب الروسي بالتعاون البناء واستعادة سوريا لحقوقها وامتيازاتها. ووصف ممثل اليونان زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لدمشق باللحظة الفارقة، فيما رحبت البحرين بالتطورات الملموسة لإغلاق الملف. ومن جانبها، شددت بريطانيا على اقتران التقدم الفني بالمساءلة مستذكرة هجوم الغوطة عام 2013، وأكدت فرنسا دعمها لاستكمال العملية السياسية ومكافحة الإفلات من العقاب. كما رحبت تركيا بقرارات المنظمة واستعادة سوريا حقوقها، واصفة الملف بأنه من أسوأ تركات حقبة الأسد التي تحولت اليوم إلى مدعاة للتفاؤل.
