التحول الكردي في سوريا: من السلاح إلى السياسة ورهانات الدستور


تشهد المنطقة عطفاً سياسياً وميدانياً غير مسبوق مع بدء استكمال خطوات دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، وهو التطور الذي ينقل الملف الكردي من مربعات المواجهة المسلحة والكفاح المسلح إلى ساحات العمل السياسي والمعارك الدستورية. هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن ترتيبات إقليمية أوسع نطاقاً؛ إذ وفر اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني أرضية لإيقاف دائم لإطلاق النار، وأفسح المجال أمام انضمام التشكيلات العسكرية إلى الجيش السوري على هيئة كتائب، بالتوازي مع الاستمرار في تسجيل عناصر قوى الأمن الداخلي ودمج المؤسسات الخدمية والهيئات التابعة للإدارة الذاتية ضمن أجهزة الدولة الرسمية.


ورغم الإعلان الصريح عن اكتمال الاندماج العسكري ورسمية انقضاء وجود "قسد" كقوة مستقلة، فإن هذا المسار لا يخلو من التعقيدات والتحديات. فقد شهدت العملية بطئاً وتأخراً عن المهل المحددة نتيجة عقبات تنظيمية وإدارية تتعلق بتسجيل الأسماء وتوزيع المسؤوليات. وتتضح هذه التباينات بشكل جلي في الملف التعليمي؛ حيث أُقرت الكردية كـ "لغة وطنية" يُخصص لها عدد محدد من الساعات التدريسية ومواد معينة، وهو ما يراه الجانب الكردي صيغة لا تلبي الطموح بفرضها لغة رسمية، متبوعاً بمخاوف حول انعكاس التحول المفاجئ إلى المناهج العربية على التحصيل الدراسي للطلاب. وفي حين لا يزال وضع الجامعات معلقاً بانتظار نتائج المحادثات الجارية في دمشق، تتجه النقاشات بشأن "وحدات حماية المرأة" نحو الحاقها بوزارة الداخلية كـ "وحدة عمليات خاصة" بعد رفض مقترح ضمها المباشر للجيش.


وعلى المقلب الآخر، لا تكتمل صورة هذا المشهد المعقد دون النظر إلى البعد السياسي والدستوري المرتقب. إذ تتجه الأنظار نحو دور القيادات الكردية في المرحلة القادمة، لا سيما مع ترقب صدور مرسوم يحدد المهام في مجلس الشعب وفتح النقاشات حول اللجان المختصة كاللجنة الدستورية ولجنة العلاقات الخارجية. ويتركز الرهان المستقبلي على انتزاع ضمانات دستورية تصون الحقوق اللغوية والثقافية وتكرس مبدأ التعددية والمساواة بين جميع مكونات الشعب السوري، إلى جانب طرح نقاشات حول شكل الإدارة وتوسيع صلاحيات المحافظات لتفادي سلبيات المركزية المفرطة، فضلاً عن السعي لتعزيز الحضور النسائي في مراكز صنع القرار.

وفي السياق الإقليمي، تشير هذه التحولات إلى دور محوري أداه عبد الله أوجلان في ضبط إيقاف التصعيد ودفع الأطراف نحو التفاهمات والحوار، خصوصاً خلال المحطات الحساسة السابقة. كما يظهر التأثير التركي جلياً في هندسة هذا المسار، حيث تتقاطع الرغبات السورية والإقليمية في نزع فتيل المواجهة وتجنب الحروب الواسعة. وعلى الرغم من كشف القيادة الكردية عن وجود قنوات تواصل قائمة بالفعل مع "الأجهزة الأمنية" التركية وبمستويات رفيعة، إلا أن الطموح يتجه نحو فتح قنوات رسمية مباشرة مع وزارة الخارجية التركية، والمطالبة بإعادة النظر في قوائم الإرهاب وإتاحة المجال لزيارات ولقاءات مباشرة مع أنقرة.


وعلى الجانب التركي، ينعكس هذا التحول السياسي والميداني كعنصر تجاذب وقراءة مختلفة داخل الأوساط السياسية؛ حيث تُقرأ المخرجات الأخيرة المتعلقة بإلقاء السلاح ودمج التشكيلات بوصفها نجاحاً للدولة التركية وترسيخاً لدورها كفاعل إقليمي قادر على التأثير في الجوار العراقي والسوري. وتؤكد الأطراف السياسية في أنقرة على أهمية التعاطي مع هذه المسارات باعتبارها مشروع دولة يعزز مكانتها الإقليمية، وسط دعوات لاستثمار القانون الإطاري لحل القضايا العالقة وتعزيز السلام المجتمعي. وفي ظل إعادة التشكيل الجارية للشرق الأوسط، تتداخل كافة هذه الملفات مع المواقف الإقليمية الحازمة تجاه التحديات الخارجية، لتؤكد أن المنطقة تعبر مرحلة إعادة ترتيب رسمية تؤدي فيها التحولات الداخلية والدبلومسية دوراً حاسماً في صياغة استقرارها المستقبلي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال