أمام قبة مجلس الشعب، وقفت الأرقام حاسمة لترسم صورة دقيقة لواقع اقتصادي معقد يُثقل كاهل البلاد، حيث رسم وزير الطاقة محمد البشير في جلسة استثنائية الملامح الحقيقية لقطاع الطاقة، معلناً عن فجوات عميقة بين الإنتاج المحلي والطلب الفعلي، إلى جانب خطط استراتيجية للإنقاذ تعول عليها الحكومة لتجاوز واحدة من أعقد أزماتها المعيشية.
تأتي هذه المواجهة البرلمانية في أعقاب موجة من الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مناطق عدة رداً على قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، وهي القفزة التي بررتها الوزارة بالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً وتضخم فاتورة الاستيراد. كشف الوزير أن البلاد تحتاج شهرياً إلى نحو 831 مليون دولار لشراء النفط الخام والمشتقات النفطية، مشيراً إلى أن الاستهلاك المحلي بات يتجاوز قدرة الموارد المتاحة بشكل كبير، خاصة بعد ارتفاع عدد السيارات في سوريا من 2.5 مليون إلى 3.6 ملايين سيارة، ما ضاعف الطلب على الوقود ليصل الاحتياج اليومي إلى 12 مليون ليتر من المازوت و8 ملايين ليتر من البنزين، إضافة إلى 8500 طن من الفيول و1300 طن من الغاز المنزلي.
وفي ملف النفط، أشار البشير إلى أن الإنتاج المحلي الحالي يقف عند حدود 112 ألف برميل يومياً من أصل 78 حقلاً نفطياً يجري العمل على تأهيلها وتطوير آبارها، ما يترك فجوة تقدر بـ 200 ألف برميل يتم سدها عبر الشراء من الخارج. وفيما يتعلق بالغاز، تزداد الفجوة عمقاً، إذ لا يتجاوز الإنتاج المحلي 8 ملايين متر مكعب يومياً في حين تستدعي الحاجة الفعلية نحو 24 مليون متر مكعب، وهو ما دفع الوزارة لتأمين 6.3 ملايين متر مكعب يومياً من أذربيجان ومن سفينة راسخة في ميناء العقبة الأردني بكلفة تصل إلى 140 مليون دولار شهرياً.
هذه الفجوة التأمينية تضع ميزانية الدولة تحت ضغط حقيقي بسبب آلية التسعير العالمية؛ فالغاز يُشترى دولياً بناءً على حمولته الحرارية لا حجمه (بواقع 22 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية MMBtu مقارنة بـ 9 دولارات للمحدد محلياً بين شركتي النفط والكهرباء)، وهو العرف الذي تفرضه الأسواق العالمية لكون المتر المكعب يختلف في طاقته الحرارية بختلاف جودة الغاز وظروف ضغطه، مما يعني أن الوزارة تدفع ثمن القيمة الحرارية الفعالية التي تشغل المولدات، حيث تعادل كل وحدة حرارية نحو 28 متراً مكعباً من الغاز أو 293 كيلوواط/ساعي من الكهرباء.
ورغم هذا المشهد الضاغط، حمل خطاب الوزير جرعة من التفاؤل الاستراتيجي المربوط بسقوف زمنية محددة؛ حيث أعلن أن سوريا ستتجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2028، بينما ستحتاج منظومة الغاز إلى نحو 7 سنوات للوصول إلى مستويات إنتاجية مرضية تقضي على الفجوة الحالية. وكشف عن مساعٍ حثيثة لتأمين خطوط الإمداد عبر طلب عروض أسعار لإكمال الجزء المتبقي من الخط العربي القادم من الأردن بتكلفة تقارب ربع مليار دولار على حساب الشركة السورية للبترول، متوازياً ذلك مع دراسات جديدة لإعادة خريطة الاحتياطيات النفطية والتعاقد مع دول صديقة لتأمين الاحتياجات الراهنة.
وعلى صعيد الكهرباء، استعرض الوزير تحولاً ملموساً قارن فيه بين بداية المرحلة الماضية حين كان الإنتاج لا يتجاوز 915 ميغاواط وساعات التغذية لا تتعدى ساعتين يومياً، وبين الواقع الحالي الذي ارتفع فيه الإنتاج إلى 3500 ميغاواط، مما انعكس على ساعات الوصل لتصل إلى ما بين 18 و20 ساعة في معظم المحافظات. غير أن هذا التحسن يصطدم بوجود عجز مالي ضخم يبلغ مليارات الدولارات لدى شركة الكهرباء لصالح شركة الغاز نتيجة تراجع الجباية وضياعات الشبكة، رغم أن الدولة لا تزال تدعم الكهرباء المنزلية والصناعية بنسب تصل إلى 75 بالمئة للشريحة الأولى.
ولمواجهة الهدر وضمان الاستمرارية، تتجه الوزارة نحو التحول الرقمي وإعادة الهيكلة الشاملة. ونفى الوزير بشكل قاطع أي توجه لخصخصة هذا القطاع الحيوي، مؤكداً أن الشركات القابضة التي جرى إحداثها مملوكة بالكامل للدولة بهدف إدارة الموارد بكفاءة أعلى. وتتضمن الخطة الاستراتيجية تركيب 300 ألف عداد ذكي للكهرباء والمياه بدءاً من دمشق وإدلب هذا العام لتقليل الضياعات، إلى جانب توقيع عقد مع شركة سعودية بقيمة 60 مليون دولار لبناء نظام قيادة وتحكم ذكي لإدارة الشبكة الكهربائية، والتخطيط لإنشاء 4 محطات توليد غازية جديدة وتوسيع محطة تشرين الحرارية لمواجهة استهلاك يتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2030.
ولم تنفصل أزمة الطاقة عن قطاع الموارد المائية، حيث كشف الوزير عن استعادة خدمات المياه لـ 2.3 مليون شخص بعد صيانة 6 آلاف مضخة وحفر وتأهيل مئات الآبار والخزانات. وتتجه خطط الوزارة المستقبليّة إلى تطوير قطاع الصرف الصحي عبر إنشاء 5 محطات معالجة جديدة وإعادة تأهيل محطة عدرا للحفاظ على البيئة المائية، إلى جانب إدراج 3 سدود جديدة ضمن خطة عام 2027، لتكتمل بذلك رؤية الوزارة القائمة على مواجهة الإرث الثقيل والتحديات الهيكلية عبر التحول الرقمي وتأهيل البنية التحتية.
ختاماً، يعكس هذا العرض البرلماني الشامل معادلة دقيقة وحرجة تتقاطع فيها التحديات المالية الجسيمة مع ضغوط الأسعار العالمية والاحتياجات المحلية المتباينة. وبين الأرقام الكاشفة لنسب العجز وفجوات الإنتاج من جهة، والخطط الاستراتيجية للتحول الرقمي والأتمتة والوصول إلى الاكتفاء الذاتي من جهة أخرى، تبدو المرحلة المقبلة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة القطاع على بناء منظومة طاقة ومياه مرنة ومستدامة تلبي تطلعات التنمية وتستجيب لاحتياجات الشارع.
