في لحظة سياسية فارقة، جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتؤكد أن موسكو تعيد صياغة علاقتها مع سوريا، بعد سنوات من التورط العسكري والدعم غير المشروط لنظام بشار الأسد، الذي ارتكبت روسيا إلى جانبه مجازر بحق المدنيين خلال الثورة السورية. اليوم، ومع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم، تمثل هذه التصريحات اعترافاً ضمنياً بتحول استراتيجي، بل وربما أخلاقي، في الموقف الروسي.
من دعم المجازر إلى احترام السيادة
منذ تدخلها العسكري عام 2015، لعبت روسيا دوراً محورياً في ترسيخ سلطة الأسد، عبر غارات جوية استهدفت مناطق مدنية، وأسهمت في تهجير ملايين السوريين. هذا التدخل، الذي وصفه لافروف لاحقاً بأنه جاء "لدعم السلطة الشرعية"، كان في الواقع غطاءً لتصفية الثورة السورية، وتكريس نظام فقد شرعيته الشعبية والأخلاقية.
لكن اليوم، يقول لافروف:
"نحافظ على علاقات صداقة غير انتهازية مع دمشق"، كما أن "وجود الرئيس أحمد الشرع في القمة الروسية العربية سيمثل أهمية خاصة"، مضيفاً أن "الرئيس بوتين أكد على عدم بقاء قواعدنا العسكرية في سوريا ما لم تكن هناك حاجة لذلك".
هذه التصريحات لا تعكس فقط تغيراً في اللغة، بل في النية السياسية، حيث لم تعد روسيا تتحدث عن دعم طرف ضد آخر، بل عن استخدام المرافق السورية لأغراض إنسانية، مثل توزيع المساعدات من دول الخليج وروسيا إلى إفريقيا.
سوريا الجديدة: سيادة لا مساومة
لافروف أقر بأن سوريا "تعبّر عن مطالب حادة اللهجة بوقف التدخل الأجنبي"، مشيراً إلى أن "قوات أجنبية تسيطر على مساحات واسعة بلا دعوة من دمشق". هذا الاعتراف يضع روسيا في موقف جديد، حيث لم تعد ترى نفسها وصية على القرار السوري، بل شريكاً في احترام سيادته، خاصة بعد وصول قيادة ثورية إلى الحكم.
مشاريع جديدة بلغة جديدة
في إشارة إلى إعادة بناء العلاقة، قال لافروف:
"يمكن استكمال عدد من المشاريع التي تم الاتفاق عليها سابقاً مع تعديلها وفقاً للوضع الجديد".
وهذا "الوضع الجديد" لا يعني فقط تغيير القيادة، بل تغيير المنظور الروسي تجاه سوريا: من ساحة نفوذ عسكري إلى منصة تعاون إنساني وتنموي.
التوازن الإقليمي ومخاوف إسرائيل
لافروف لم يغفل التوترات الإقليمية، قائلاً:
"تصر إسرائيل على إقامة منطقة عازلة وندرك المخاوف الخاصة بأمن إسرائيل، ومع ذلك من الضروري مراعاة مصالح الأطراف المعنية".
كما حذّر من "مخاطر انفصالية جسيمة للغاية خاصة من جانب الأكراد"، مؤكداً أن "وحدة سوريا يجب أن تكون محل اهتمام جميع الدول الصديقة لها".
اعتراف متأخر: الغرب تدخل بشكل غير نزيه… وروسيا دعمت الأسد
في أكثر تصريحاته إثارة للجدل، قال لافروف:
"عندما تدخل الغرب فيما يُعرف بـ'الربيع العربي' بشكل غير نزيه لدعم المعارضة المسلحة والاعتماد على العناصر المتطرفة والإرهابية، جئنا لمساعدة السلطة الشرعية آنذاك".
لكن هذا "الاعتراف" لا يبرئ روسيا، بل يسلط الضوء على دورها في قمع الثورة، ويطرح سؤالاً أخلاقياً: هل يمكن لموسكو أن تكون شريكاً في سوريا الجديدة، بعد أن كانت جزءاً من مأساة السوريين؟
في النهاية، تصريحات لافروف ليست مجرد كلمات دبلوماسية، بل إشارات إلى مرحلة جديدة، حيث لم تعد روسيا تتحدث من موقع القوة، بل من موقع التفاهم مع قيادة ثورية شرعية، اختارها السوريون بعد سنوات من الدم والخذلان.
