من رماد العزلة إلى هندسة الانفتاح: سوريا تعيد رسم سككها نحو المستقبل

 


بعد سنوات من الانغلاق والتآكل المؤسساتي، تقف سوريا اليوم على عتبة تحوّل تاريخي، لا يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، بل بالرمزية العميقة لانفتاحها على العالم من جديد. فمع سقوط النظام الذي كبّل الطاقات وأغلق الأبواب، بدأت البلاد تستعيد نبضها الصناعي والتقني، وتعيد تعريف علاقتها بالزمن، لا كضحية للتأخير، بل كصانعة لمسارات جديدة.


في قلب هذا التحوّل، يبرز مشروع تصنيع القطارات والحافلات محلياً، بدعم هندسي إيطالي، كأكثر من مجرد خطة نقل. إنه إعلان ضمني عن ولادة سوريا جديدة: دولة تسعى لتصميم بنيتها التحتية بيدها، وتربط مدنها لا بالأسلاك الأمنية، بل بخطوط الإنتاج والمعرفة.


مشروع سوري–إيطالي لتصنيع وسائل النقل: خطوة نحو السيادة الصناعية


بحث وزير النقل السوري المهندس يعرب بدر مع رئيس هيئة الاستثمار الدكتور طلال الهلالي وممثلي شركة "بلو" الهندسية الإيطالية المتخصصة في أنظمة السكك الحديدية والنقل الحضري، سبل التعاون لتطوير صناعة النقل في سوريا، عبر إنشاء منظومة صناعية متكاملة لتصنيع القطارات والحافلات والسيارات الكهربائية داخل البلاد.


الاجتماع الذي عُقد في مقر وزارة النقل بدمشق، شهد عرضاً شاملاً قدّمه محمد عيد، رئيس مجلس إدارة الشركة، تناول فيه الاستراتيجيات المقترحة لإنشاء بيئة صناعية تعتمد على الخبرات الإيطالية، وتستهدف تخفيف أعباء المواصلات وتحسين واقع النقل العام. العرض شمل مقارنة بين سوريا وإيطاليا من حيث عدد السكان والمساحات وحجم النقل، بهدف تحديد أنسب أنواع القطارات والمترو والباصات التي تلائم البنية السورية، إلى جانب دراسة تكلفة التصنيع ومواصفات أسطول النقل الإيطالي.


وأكد الوزير بدر أن المشروع لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمثل خطوة نحو تعزيز الاعتماد على الذات في البنى التحتية، مشدداً على أهمية بناء قدرات محلية في مجال تصميم وصناعة وسائل النقل الحديثة. كما أشار إلى ضرورة تأهيل الكوادر السورية، وإنشاء مصانع متخصصة لتصنيع المركبات الكهربائية، بما يواكب التطورات العالمية في هذا القطاع الحيوي.


من جهته، شدد الدكتور الهلالي على أهمية تطوير قطاع نقل البضائع، خاصة الفوسفات، عبر زيادة عدد القاطرات وإنشاء مراكز دعم للصيانة والتحديث، إضافة إلى إعادة تأهيل مركز الصيانة في حمص. وأوضح أن هذه الخطوة ستسهم في دعم التنمية الاقتصادية الفورية، وتلبية احتياجات النقل الصناعي والتجاري داخل البلاد.


الاجتماع حضره أيضاً المدير الإقليمي للشرق الأوسط في شركة "بلو" مهند حداد، واستشاري الشركة عامر التكرلي، ومستشار وزير الاقتصاد السوري أسامة العمر، إلى جانب عدد من مسؤولي وزارة النقل ومؤسسة الخط الحديدي الحجازي، في إطار توجه حكومي نحو جذب استثمارات نوعية في قطاع النقل، وتعزيز البنية التحتية بالتعاون مع شركات دولية ذات خبرة.


رمزية المشروع: من التصنيع إلى استعادة السيادة


هذا المشروع لا يحمل فقط طابعاً اقتصادياً، بل يُمكن قراءته كخطوة رمزية نحو استعادة السيادة الصناعية، وتعزيز الاعتماد على الذات في البنية التحتية، وتأكيد حضور سوريا في مجال النقل الحديث، عبر شراكات استراتيجية توازن بين التقنية والهوية الوطنية.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال