قسد بين الدستور والجيش: من التنسيق الشفهي إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية


دفي لحظة سياسية مشحونة بالتحولات، خرج القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، عبر شاشة قناة "روناهي" ليكشف عن ملامح مرحلة جديدة من العلاقة بين "قسد" والدولة السورية. لم يكن اللقاء مجرد تصريح إعلامي، بل بدا كبيان نوايا أولي لإعادة تموضع سياسي وعسكري، يفتح الباب أمام نقاشات دستورية، ويعيد طرح سؤال اللامركزية من قلب المؤسسة الأمنية والعسكرية.


لقاء روناهي: الدستور أولًا، والجيش لاحقًا


عبدي تحدث بصراحة عن تفاهمات جارية لإدراج بنود "اتفاق 10 آذار" في الدستور السوري، مشيرًا إلى أن اجتماعات قادمة ستُعقد لمناقشة التعديلات الدستورية. ورغم أن التفاهم لا يزال شفهيًا، إلا أن عبدي أكد وجود تنسيق مبدئي لدمج "قسد" في الجيش السوري، مع رغبة واضحة من دمشق في الاستفادة من خبرات هذه القوات التي لعبت دورًا محوريًا في الحرب ضد داعش.


الأهم من ذلك، أن عبدي كشف عن نية إدماج قوى الأمن الداخلي التابعة لـ"قسد" ضمن وزارة الداخلية، في خطوة تعكس انتقالًا تدريجيًا من البنية الأمنية المستقلة إلى الانخراط في مؤسسات الدولة. وأوضح أن اللجنة العسكرية التي ستتوجه إلى دمشق قريبًا تضم ممثلين عن هذه القوى، ما يشير إلى أن التفاهمات تتجاوز الجانب العسكري لتشمل البنية الأمنية والإدارية.


في خلفية هذا التصعيد الإيجابي، أشار عبدي إلى لقاءات جمعته بوزير الدفاع ورئيس الاستخبارات في دمشق، حيث تم الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار، وفتح قنوات حوار على مستوى رفيع. كما أكد أن ملفات الرقة وديرالزور والحسكة مرتبطة بشكل نظام الحكم، وأن انسحاب "قسد" من هذه المناطق "غير قابل للنقاش"، ما يعكس تمسكًا واضحًا بالدور المحلي الذي تمارسه القوات في تلك المناطق.


اللافت أيضًا هو البعد الدولي في خطاب عبدي، إذ أشار إلى دعم "قسد" لرفع قانون قيصر خلال اجتماع الحسكة مع المبعوث الأميركي توم باراك، معتبرًا أن مشاركة دمشق في محاربة الإرهاب قد تكون أحد الشروط لرفع العقوبات. كما كشف عن اقتراح أميركي بتشكيل قوة مشتركة بين "قسد" والجيش السوري لمحاربة داعش، في خطوة تعكس استمرار الرهان على التوازن بين دمشق وواشنطن.


الذكرى العاشرة: إعلان رمزي للدمج


وقبل يوم من لقاء روناهي، جاءت الذكرى العاشرة لتأسيس "قسد" لتكون منصة لإعلان رسمي أكثر وضوحًا. عبدي أعلن أن قواته ستصبح جزءًا من الجيش السوري، ضمن اتفاق يجري التحضير له مع الحكومة في دمشق، مؤكدًا أن لجنة عسكرية مشتركة ستتوجه قريبًا إلى العاصمة لبدء المحادثات.


لكن عبدي لم يقدّم هذا الدمج كتنازل، بل كخطوة ضمن "إطار وطني واضح" يضمن حقوق جميع المكونات من عرب وكرد وسريان وغيرهم، ويصون تضحيات المقاتلين وخصوصية البنية التنظيمية والإدارية لـ"قسد". في خطابه، بدا واضحًا أن الهدف ليس الذوبان في المركز، بل إعادة تعريف العلاقة معه على أسس جديدة.


تفاهمات دمشق: من التنسيق إلى الهيكلة


رغم النفي السابق لوجود لقاء مباشر بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، كشفت مصادر خاصة لتلفزيون سوريا أن اجتماعًا رباعيًا قد عُقد بالفعل في دمشق، ضمّ الشرع وعبدي والمبعوث الأميركي توم باراك، إلى جانب قائد القيادة الوسطى الأميركية الأدميرال براد كوبر. كما جرى اجتماع ثانٍ بين وفد "قسد" ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة.


ووفقًا للمصادر، فإن التفاهمات التي تم التوصل إليها تنص على دمج "قسد" ضمن الجيش السوري عبر تشكيل ثلاث فرق وعدة ألوية عسكرية موزعة في الحسكة والرقة ودير الزور، على أن تحتفظ "قسد" بالمناصب القيادية في هذه التشكيلات ضمن مناطقها. كما ستندمج قوات الأمن الداخلي (الأسايش) ضمن وزارة الداخلية، مع اعتماد تسميات رسمية جديدة تُنهي وجود "قسد" و"الأسايش" ككيانات مستقلة.


الاتفاق يشمل أيضًا تعيين مسؤولين حكوميين من أبناء المنطقة بالتوافق، وتشكيل لجان مشتركة لتنفيذ عملية الدمج خلال وقت قريب. اللافت أن هذه التفاهمات جاءت برعاية أميركية مباشرة، ما يعكس حجم التداخل الدولي في رسم ملامح المرحلة المقبلة.


دير الزور: النفط كبوابة للدمج أم فخ إعلامي؟


في موازاة التصريحات السياسية والعسكرية، تداولت وسائل إعلام أنباء عن استعداد "قسد" لتسليم إدارة النفط في دير الزور للحكومة السورية، ضمن تفاهم جرى خلال لقاء مزعوم بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع. لكن مصادر مطلعة نفت دقة هذه الرواية، مؤكدة أن اللقاء لم يحصل أصلًا، وأن ما جرى هو اجتماع بين عبدي ووزير الدفاع فقط، وأن إرسال اللجنة العسكرية إلى دمشق لا يعني بالضرورة أن اتفاقًا سيُبرم أو أن الدمج سيحصل.


هذا التناقض بين التصريحات الرسمية والتسريبات الإعلامية يعكس هشاشة المرحلة، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية الأطراف في الوصول إلى صيغة نهائية.


تركيا ترد: لا شرعية تحت أي مسمى


في المقابل، جاء الرد التركي حادًا وواضحًا. وزير الدفاع التركي يشار غولر، وخلال تفقده تدريبات للجيش في أنقرة، أعلن أن بلاده "لن تسمح لأي تنظيم إرهابي، وعلى رأسهم قسد، بالتمدد أو النشاط تحت مسميات مختلفة في دول الجوار". واعتبر أن على عناصر "قسد" تسليم أسلحتهم فورًا ودون شروط، مشيرًا إلى أن تركيا ستواصل منع أي نشاط إرهابي في المنطقة.


غولر ربط موقفه بدعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان لحل التنظيم، معتبرًا أن هذه الدعوة يجب أن تُترجم إلى وقف كامل لأنشطة PKK وكافة التنظيمات التابعة له، في إشارة ضمنية إلى "قسد" باعتبارها امتدادًا لهذا التيار.


الجدل الأكاديمي: بين الانعزالية والتفكيك


في لقاء تلفزيوني حديث على قناة "تلفزيون سوريا"، قدّم الباحث مهند حافظ أوغلو قراءة نقدية حادة لاتفاق 10 آذار، معتبرًا أن الاتفاق لم يشهد أي تقدم منذ توقيعه قبل ثمانية أشهر، وأن "قسد" لم تنفذ أي بند منه. واتهم أوغلو إعلام "قسد" بأنه يجيّش يوميًا ضد الحكومة السورية الجديدة وقائدها أحمد الشرع، ويصفه بـ"الإرهابي" و"الزائل"، معتبرًا أن الحل الوحيد هو "العمل العسكري الذي سيجتث قسد وينهي وجود هذا التيار الانفصالي".


في المقابل، قدّم الأستاذ حسن الدغيم قراءة أكثر توازنًا، مشيرًا إلى وجود تيار انعزالي داخل "قسد"، لكنه أكد أن 70٪ من عناصرها هم من الأكراد والعرب العشائريين الذين يؤمنون بالمشروع الوطني تحت سقف دمشق. واعتبر أن التيار الانعزالي هو من يقود التحريض ضد الدولة، كما حدث في حي الشيخ مقصود والأشرفية وريف حلب الشرقي وسد تشرين.


من السلاح إلى الدستور: رمزية التحول أم وهم التفاهم؟


ما يجري ليس مجرد تفاهمات تقنية، بل معركة سرديات بين من يرى في "قسد" قوة وطنية قابلة للدمج، ومن يعتبرها تشكيلًا انفصاليًا يجب تفكيكه بالقوة. التحول يبدأ من الدستور، يمر عبر الجيش والنفط، ويصل إلى إعادة رسم العلاقة بين المركز والأطراف، بين الحرب والدولة، وبين التضحيات والمكاسب السياسية.


لكن في ظل التناقضات بين التصريحات الرسمية، والنفي الميداني، والتصعيد التركي، والجدل الأكاديمي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تحول حقيقي في بنية الدولة السورية؟ أم أن 

ما يجري هو إعادة إنتاج للانقسام بلغة أكثر نعومة؟
 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال