بين ضغط تركيا وصمت دمشق... هل تكتب أمريكا نهاية قسد؟


مع اقتراب نهاية العام، يقترب أيضًا موعد تنفيذ اتفاق الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات قسد مظلوم عبدي، وسط تسارع غير مسبوق في اللقاءات والمشاورات بين الطرفين، وبدفع مباشر من واشنطن التي دخلت على خط التفاوض عبر مبعوثها توم براك، الذي زار الحسكة والتقى عبدي، قبل أن تُعقد اجتماعات موسعة في دمشق بمشاركة الأطراف الثلاثة.


لكن خلف هذه الحركة النشطة، يبرز صمت دمشق الرسمي، مقابل تصريحات متكررة من قسد، ما يثير تساؤلات حول طبيعة المعادلة التي ترسمها الحكومة السورية، في ظل توتر ميداني متجدد، وتنسيق متزايد بين دمشق وأنقرة، التي تتابع كل خطوة على هذا المسار وكأنها المعنية الأولى به.


تركيا: خريطة الهجوم جاهزة... والمهلة تضيق


أنقرة أعادت التذكير باتفاقية أضنة المعدّلة، التي تتيح لها التدخل بالعمق السوري لمواجهة تهديدات "pkk"، وعرض أردوغان خريطة عمليات تمتد من تل أبيض إلى المالكية، ما يعني عمليًا القضاء على الوجود العسكري لقسد على كامل الشريط الحدودي.


لكن اللافت هو أن تركيا تتحرك بتنسيق غير معلن مع دمشق، وتُظهر نفسها كطرف ضامن لتنفيذ الاتفاق، معتبرة أن أمنها القومي يتطلب إنهاء وجود قسد كقوة مستقلة، خاصة في ظل معركتها المتعددة الجبهات مع حزب العمال الكردستاني pkk.


أمريكا: من داعم إلى ضابط إيقاع


التحول الأمريكي في الملف السوري بات واضحًا. واشنطن قلّصت قواعدها العسكرية، وبدأت تدفع قسد نحو الاندماج في مؤسسات الدولة السورية، كجزء من تسوية تضمن استقرار المنطقة وتمنع تركيا من التمدد المفرط. وقد تمخض هذا الضغط عن توقيع اتفاق مبدئي في 10 آذار 2025، ينص على إعادة هيكلة قسد، وإلغاء التجنيد الإجباري، وتسريح غالبية المقاتلين.


لكن الدور الأمريكي لم يتوقف عند الضغط، بل بدأ يلعب دور "الإطفائي"، يسعى لتدوير زوايا الخلاف، وتقريب المفاهيم المتباعدة، ومراعاة مصالح اللاعبين الإقليميين، خصوصًا تركيا وإسرائيل، في محاولة لتفادي انفجار جديد في شمال شرق سوريا.


قسد: صوت مرتفع... وموقع هش


تصريحات مظلوم عبدي وقادة الإدارة الذاتية تعكس تفاؤلًا بإمكانية التوصل إلى تفاهمات دائمة مع دمشق، خصوصًا بعد بدء اللجان المعنية البحث في آليات دمج قسد والآسايش في وزارتي الدفاع والداخلية.


لكن هذا التفاؤل يصطدم بصمت دمشق، التي لم تُعلّق على أي من هذه التصريحات، ولم تشر إعلاميًا إلى اللقاء الأخير بين الشرع وعبدي، ما يعكس حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح والتوازنات، وربما استعدادًا لجولة تصعيد إذا فشلت المفاوضات.


دمشق: صمت مدروس... ومعادلة معقدة


الحكومة السورية تدرك أن قسد لم تعد تملك هامش المناورة السابق، وأن الهجوم التركي بات وشيكًا، وأن واشنطن لم تعد توفر الغطاء الكامل. لكنها في الوقت ذاته ترفض أي صيغة تحفظ لقسد استقلالًا عسكريًا أو سياسيًا، وتصر على إعادة هيكلتها وفق التركيبة السكانية للجزيرة السورية، حيث يشكل العرب 70٪ من السكان مقابل 25٪ للأكراد.


هذا يعني أن 75٪ من مقاتلي قسد سيتم تسريحهم، ولن يبقى سوى 25 ألفًا، منهم 10 آلاف فقط تحت قيادة مظلوم عبدي، موزعين على مناطق متعددة وليس فقط الحسكة، ضمن بنية وطنية لا تسمح بوجود كتل مستقلة.


هل من مخرج؟


التمسك بالمواقف المسبقة لا ينتج حلولًا وطنية، لكن أيضًا فإن الطروحات التي تتجاوز وحدة الدولة أو تطرح صيغًا انفصالية أو فدرالية لا يمكن أن تكون مدخلًا للاستقرار. سوريا دولة واحدة، والتنوع فيها يُدار ضمن مؤسسات وطنية جامعة، لا عبر كيانات مستقلة أو صيغ متنازعة. المطلوب هو إدارة المرحلة بروح وطنية مسؤولة، تضمن إعادة دمج كل القوى ضمن بنية الدولة، وتُخفف من الاحتقان، وتُعيد بناء الثقة فوق ذاكرة الصراع التي دمرت الإنسان قبل البنية التحتية.


لحظة الحقيقة


كما قال الشيباني لقسد: "إذا حاولت أن تكسب كل شيء، ستخسر كل شيء". والمهلة تضيق، والهجوم بات أقرب من أي وقت مضى، والمفاوضات لم تعد خيارًا بل ضرورة. فإما الاندماج وفق شروط الدولة، أو مواجهة مصير مشابه لفلول النظام في مناطق أخرى.

 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال