المفقودون في سوريا: جرح مفتوح في جسد الثورة



 منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحوّل ملف المفقودين إلى أحد أكثر الملفات إيلاماً وتعقيداً. عشرات الآلاف من السوريين اختفوا قسرياً في أقبية النظام، أو فُقدوا في مناطق النزاع، أو اختطفوا على يد أطراف متعددة. ومع مرور أكثر من عقد، لا تزال آلاف العائلات تعيش بين الأمل واليأس، تبحث عن أثر، أو معلومة، أو حتى عظمة تُدفن بكرامة.


قمع ممنهج .. لا مجرد فوضى حرب


بعكس ما يُروّج له البعض، فإن ظاهرة الاختفاء القسري في سوريا ليست نتيجة جانبية للحرب، بل أداة ممنهجة استخدمها النظام السوري لإخماد الثورة. تقارير منظمات حقوقية تؤكد أن الأجهزة الأمنية مارست الاعتقال التعسفي والإخفاء كوسيلة لإرهاب المجتمع، وتفكيك الحاضنة الشعبية للثورة. وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكثر من 100 ألف حالة اختفاء قسري، معظمها على يد النظام.



البوسنة والهرسك: تجربة يمكن البناء عليها


بعد حرب دموية في التسعينيات، واجهت البوسنة والهرسك تحدياً مشابهاً: عشرات آلاف المفقودين، ومجتمع مفكك، وذاكرة مثقلة بالإبادة. لكن ما يميز التجربة البوسنية هو الإرادة السياسية التي ظهرت بعد الحرب، وأسست لعملية بحث ممنهجة، شملت:


- قانون خاص بالمفقودين (2004) يضمن حقوق العائلات.

- معهد وطني للمفقودين بتمويل حكومي.

- قاعدة بيانات مركزية توثق كل حالة.

- تعاون دولي مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP).

- دمج العلم والعدالة: تحليل الحمض النووي، علم الإنسان، وتقنيات حديثة.


النتيجة؟ تحديد مصير أكثر من 75% من المفقودين خلال 30 عاماً.



ما الذي يجب فعله في سوريا؟


رغم تعقيد المشهد السوري، هناك خطوات عملية يمكن البناء عليها:


1. تدويل الملف

- لا يمكن انتظار "حل سياسي شامل" لبدء العمل. يجب الضغط على الأمم المتحدة لتفعيل هيئة مستقلة للمفقودين، كما حصل في البوسنة.


2. قاعدة بيانات وطنية

- توثيق كل حالة مفقود، مع بيانات دقيقة، وشهادات العائلات، وأي أدلة متاحة.


3. دور العائلات والمجتمع المدني

- تمكين عائلات المفقودين من التنظيم والمطالبة بحقوقهم، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن الحالات.


4. التقنيات الحديثة

- استخدام الذكاء الاصطناعي، صور الأقمار الصناعية، وتحليل الحمض النووي لتحديد الهويات.


5. الضغط الإعلامي والسياسي

- إبقاء الملف حياً في الإعلام، وربطه بالعدالة الانتقالية، ورفض أي تسوية سياسية تتجاهله.



ختاماً


قضية المفقودين في سوريا ليست ملفاً إنسانياً فقط، بل مفتاحاً للعدالة والمصالحة الحقيقية. كما تحوّلت سربرنيتسا إلى رمز عالمي للإبادة، يمكن لملف المفقودين السوريين أن يصبح بوابة لإدانة القمع، وتوثيق الحقيقة، وبناء ذاكرة وطنية لا تُنسى.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال