من المراعي إلى النفايات… ماذا يحدث في الحسكة؟



 في مشهد يعكس حجم الأزمة البيئية والمعيشية التي تعصف بمحافظة الحسكة، اضطر عدد من الرعاة إلى إدخال مواشيهم إلى مكبّات النفايات في المدن والبلدات بحثًا عن ما يسد رمقها، بعد أن تلاشى الغطاء النباتي وتراجعت المراعي الطبيعية نتيجة شحّ الأمطار والجفاف المتواصل للعام الثالث على التوالي.


مخاطر صحية تهدد الإنسان والحيوان


الطبيب البيطري مأمون الأحمد حذّر من أن تناول الأغنام لمخلفات البلاستيك والمواد العضوية الفاسدة قد يؤدي إلى أمراض معوية خطيرة وتسممات قد تنتهي بنفوق المواشي، مشيرًا إلى أن هذه الملوثات لا تتوقف عند الحيوان، بل تنتقل إلى الإنسان عبر استهلاك اللحوم والألبان، مما يفتح الباب أمام موجة أمراض يصعب السيطرة عليها.


من جهته، أشار أسعد الجاسم، المختص في الصحة العامة، إلى أن وجود المواشي في مكبّات النفايات يساهم في انتشار الجراثيم والحشرات، ويضاعف من خطر الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، مثل الحمى المالطية والسل الحيواني، مما يشكّل تهديدًا مزدوجًا للصحة العامة والبيئة.


أزمة مركّبة تتطلب تدخلًا عاجلًا


هذه الظاهرة لا تعكس فقط أزمة بيئية، بل تكشف عن ضغوط معيشية متفاقمة يعيشها سكان الريف في الحسكة، حيث باتت تكلفة الأعلاف تفوق قدرة معظم المربين، في ظل غياب الدعم الحكومي وارتفاع أسعار المواد الأساسية. ويطالب السكان الجهات المعنية بتوفير أعلاف مدعومة، أو تنظيم نقاط رعي بديلة في مناطق أقل تضررًا، إلى جانب إطلاق حملات توعية حول مخاطر تغذية المواشي من النفايات.


خلفية مناخية واقتصادية


تشير بيانات منظمات دولية إلى أن منطقة الجزيرة السورية، بما فيها الحسكة، تشهد واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ عقود، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض منسوب الأنهار والآبار، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي. ومع تراجع الدعم الدولي وتقلص برامج الإغاثة، باتت المجتمعات المحلية تواجه تحديات مضاعفة في تأمين الغذاء والماء، سواء للإنسان أو الحيوان.


هل من حلول واقعية؟


- تفعيل برامج دعم الأعلاف عبر البلديات والمنظمات الإنسانية.

- إعادة تأهيل المراعي الطبيعية من خلال مشاريع صغيرة لزراعة الأعشاب المقاومة للجفاف.

- إطلاق حملات بيطرية متنقلة لفحص المواشي وتقديم العلاج المجاني.

- تنظيم مكبّات النفايات لمنع وصول الحيوانات إليها، وتوفير بدائل غذائية آمنة.


بين الجفاف والإهمال … المواشي تدفع الثمن، والإنسان ليس بمنأى


ما يحدث في الحسكة ليس مجرد أزمة رعي، بل هو انعكاس صارخ لتداخل التغير المناخي مع غياب السياسات الداعمة للريف. حين تُجبر الأغنام على أكل النفايات، فذلك يعني أن دورة الحياة نفسها قد اختلّت، وأن الإنسان بات مهددًا في غذائه وصحته وكرامته.


إن استمرار هذا المشهد دون تدخل عاجل سيؤدي إلى خسائر بيئية واقتصادية واجتماعية يصعب تعويضها. المطلوب ليس فقط توفير الأعلاف، بل إعادة الاعتبار للريف كركيزة أساسية في الأمن الغذائي، وتفعيل دور البلديات والمنظمات في حماية الإنسان والحيوان من الانزلاق نحو الكارثة.


الحل يبدأ بالاعتراف بالأزمة، ثم بالتحرك الجماعي لتطويق آثارها قبل أن تتحول إلى واقع دائم. فالمواشي التي تأكل من النفايات اليوم، قد تكون مؤشرًا على ما ينتظرنا غدًا إن لم نتحرك الآن.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال